بقلم: نجوى نصر الدين ليست البلطجة مجرد مشاجرة في شارع، أو اعتداء جسدي بين شخصين، بل هي ثقافة خطيرة تقوم على استغلال القوة لإذلال الآخرين أو إخافتهم أو سلب حقوقهم. وقد تتخذ أشكالًا متعددة، حتى أصبح كثير منها يمارس يوميًا دون أن ينتبه الناس إلى أنه نوع من البلطجة. فالبلطجة قد تكون جسدية بالضرب أو التهديد، وقد تكون لفظية بالسخرية والإهانة والتنمر، وقد تكون نفسية بنشر الخوف والعزلة وتحطيم الثقة بالنفس، وقد تكون إلكترونية عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالتشهير أو الابتزاز أو نشر الشائعات. وهناك أيضًا البلطجة الوظيفية حين يستغل صاحب سلطة منصبه لإهانة من هم دونه أو حرمانهم من حقوقهم، والبلطجة الاقتصادية باحتكار السلع أو استغلال حاجة الناس، بل وقد تمتد إلى الأسرة عندما تُمارس السيطرة والقهر بدلًا من الحوار والرحمة. ولا تنشأ البلطجة من فراغ، بل هي ثمرة لتربية تفتقر إلى احترام الإنسان، وضعف في الوازع الديني والأخلاقي، وغياب القدوة الصالحة، وانتشار مشاهد العنف في بعض وسائل الإعلام والألعاب الإلكترونية، إضافة إلى ضعف تطبيق القانون أو التساهل مع المعتدين. إن أخطر ما في البلطجة أنها لا تؤذي الضحية وحدها، بل تُفسد المجتمع كله. فهي تزرع الخوف مكان الأمان، والكراهية مكان المحبة، وتجعل الناس يفقدون الثقة في العدالة، فيتحول الصمت على الظلم إلى عادة، ويصبح العدوان وسيلة للحصول على الحقوق. وللقضاء على البلطجة لا يكفي العقاب وحده، بل نحتاج إلى مشروع مجتمعي متكامل يبدأ من الأسرة التي تُربي أبناءها على الرحمة واحترام الآخرين، ويمر بالمدرسة التي تغرس قيم الحوار والتسامح، ويستمر عبر الإعلام الذي يقدم نماذج إيجابية بدلًا من تمجيد العنف، مع تطبيق القانون بعدالة وحزم على كل من يعتدي على حقوق غيره. كما يجب تعليم الأطفال والشباب مهارات إدارة الغضب، واحترام الاختلاف، وحل النزاعات بالحوار، وتشجيعهم على الإبلاغ عن أي سلوك عدواني بدلًا من السكوت عليه. فالمجتمع الذي يرفض البلطجة قولًا وعملًا هو مجتمع يحمي أبناءه ومستقبله. وفي النهاية، فإن القوة الحقيقية ليست في إخافة الناس، بل في حمايتهم. وليست في فرض الرأي، بل في احترام الآخر. فالأمم لا تنهض بعضلات الأقوياء، وإنما تنهض بأخلاق الأقوياء، حيث يصبح القانون سيد الجميع، ويشعر كل إنسان أن كرامته مصونة وحقه محفوظ. فالبلطجة ليست دليل قوة، بل دليل ضعف في الأخلاق والضمير، أما الاحترام فهو القوة التي تبني الإنسان، ويُبنى بها الوطن تحياتي نجوى نصر الدين