بقلم نجوي نصرالدين ✍🏻 المخدرات التي لا تُباع في الصيدليات حين تُذكر كلمة “المخدر”، ينصرف الذهن إلى مادة تُغيِّب العقل، وتسرق الإرادة، وتقود صاحبها إلى هاوية لا يدركها إلا بعد فوات الأوان. لكن الحياة أوسع من التعريفات، وأكثر دهاءً من الكلمات. فهناك مخدرات لا تُصنع في المعامل، ولا تُباع في الأسواق، ولا تُجرَّمها القوانين، ومع ذلك تُغيِّر الإنسان، وتخفف عنه أوجاعه، أو تمنحه القدرة على احتمال الحياة. إن المقصود هنا ليس المخدر بمعناه الشرعي أو القانوني، بل بمعناه المجازي؛ أي كل ما يأخذ الإنسان بعيدًا عن صخب الواقع، أو يسكب في قلبه سكينة، أو يمنحه فسحة يلتقط فيها أنفاسه. قد تكون موعظة الإمام مخدرًا للروح، حين يثقل القلب بهموم الدنيا، فتأتي الكلمات الصادقة لتغسل التعب، وتعيد ترتيب الداخل، فيخرج الإنسان أخفَّ حملًا، وأقوى يقينًا. وقد يكون كتاب المدرسة مخدرًا للعقل، لا لأنه يغيبه، بل لأنه ينقله من ضيق الجهل إلى سعة المعرفة، فينسى تعب الواقع وهو يصعد درجات الفهم. ورواية الأديب ليست أوراقًا وحبرًا فحسب، بل بوابة إلى حياة أخرى، يعيش فيها القارئ ألف عمر، ويختبر ألف تجربة، ويعود منها أكثر رحمةً بالناس، وأعمق فهمًا للنفس. ومقالة الصحافي قد تكون جرعة وعي توقظ أمة، أو مرآة تكشف ما حاولت الأيام إخفاءه. أما خطاب السياسي، فقد يكون دواءً إذا صدق، وقد يتحول إلى مخدرٍ خطير إذا اكتفى بتنويم الشعوب بالوعود والشعارات. ومحاضرة المفكر ليست كلمات تُلقى، بل مفاتيح تُفتح بها مغاليق العقول، فيرى الإنسان العالم بعين جديدة. ثم تأتي أجمل المخدرات جميعًا؛ سند الحبيب، وتلاقي الأرواح، وصفاء العلاقات، ودفء الأسرة، وصدق الصداقة، وابتسامة طفل، ودعوة أم في جوف الليل. تلك الأشياء لا تُذهب العقل، بل تُرمِّم القلب، ولا تُضعف الإرادة، بل تمنحها القدرة على الاستمرار. لكن الحياة تقدم لنا دائمًا خيارين: ما يُسكِّن الألم ليمنحنا قوة على المواجهة، وما يُخدِّرنا حتى نهرب من المواجهة. الأول يداوي الإنسان، والثاني يسرقه من نفسه. ولعل أخطر المخدرات ليست تلك التي تُباع سرًا، بل تلك التي نتناولها كل يوم دون أن نشعر؛ حين نستسلم للوهم، أو نُسكت ضمائرنا، أو نعيش أسرى الدعاية، أو نُسلم عقولنا لغيرنا ليفكر بالنيابة عنا. فالوعي هو أثمن ما يملكه الإنسان. وكل ما يزيده بصيرةً، ويزرع فيه الأمل، ويقويه على مواجهة الحياة، هو غذاء للروح. أما كل ما يسلبه حريته، ويُعطِّل عقله، ويجعله غريبًا عن ذاته، فهو المخدر الحقيقي، وإن لم يحمل هذا الاسم. تحياتي نجوى نصر الدين