بقلم: نجوى نصر الدين
كثيرًا ما نلوم الرياح حين تتغير اتجاهاتها، ونعاتب الأيام حين تكشف لنا وجوهًا لم نكن نعرف حقيقتها، ونشكو من خذلان الرفاق عندما يتساقطون من حولنا في أول اختبار. لكن الحقيقة التي نحتاج إلى الاعتراف بها أحيانًا هي أن بعض الرفاق لم يكونوا إلا أوراقًا حملتها إلينا رياح المصالح والظروف، فلما تبدلت الأحوال تبددوا كما يتبدد الورق في مهب العواصف.
إن العلاقات الإنسانية لا تُقاس بعدد من يحيطون بنا في أوقات القوة والنجاح، بل بمن يبقى حين تتراجع الأضواء، وتهدأ التصفيقات، وتثقل الخطى. فليس كل من شاركك الطريق رفيقًا، وليس كل من ابتسم لك صديقًا، وليس كل من اقترب منك قادرًا على البقاء إلى النهاية.
إن الذين يصنعون الفارق في حياتنا هم أولئك الذين رأوا بداياتنا المتواضعة، وآمنوا بأحلامنا قبل أن تتحقق، ووقفوا بجوارنا حين لم يكن هناك ما يدعو إلى الوقوف. هؤلاء هم الذين رأونا شروقًا قبل أن يرانا الآخرون ضوءًا ساطعًا، وانتظروا اكتمال الحكاية دون أن يملّوا أو يتراجعوا.
أما أصحاب المصالح العابرة، فإنهم غالبًا ما يرتبطون بالمشهد لا بالإنسان، وبالمكاسب لا بالقيم، وبالنتائج لا بالرحلة. فإذا تغير المشهد، أو انطفأت بعض الأضواء، أو تعثرت الخطوات، رحلوا دون تردد، وكأن وجودهم لم يكن إلا فصلًا عابرًا في قصة طويلة.
ولذلك لا ينبغي أن نحزن كثيرًا على من غادروا، فبعض الغياب نعمة متخفية، وبعض الخسائر تكشف لنا حقيقة الأشخاص، وتمنحنا فرصة لمعرفة من يستحق مكانه في قلوبنا. فالإنسان لا يحتاج إلى كثرة الرفاق بقدر حاجته إلى صدقهم.
إن الوفاء عملة نادرة في زمن السرعة والمصالح، ومن يملك صديقًا أو قريبًا أو رفيق درب يشاركه السراء والضراء فقد امتلك كنزًا حقيقيًا. فهؤلاء هم الذين يرافقونك إلى الغروب لأنهم عرفوك عند الشروق، وأحبوا فيك الإنسان لا الظروف، والقيمة لا المصلحة، والجوهر لا المظهر.
لذلك لا تلوم الرياح كثيرًا، فهي تكشف لك هشاشة الورق وقوة الجذور. ولا تأسف على من رحل، فالبقاء ليس للأكثر حضورًا، بل للأكثر صدقًا.
وفي نهاية المطاف، لن يرافقك إلى الغروب إلا من رآك شروقًا يستحق الانتظار.
تحياتي
نجوى نصر الدين





































