بقلم نجوي نصر الدين
كذلك
ليست كل الكلمات في اللغة تُقرأ بالحروف فقط،
بعض الكلمات تُقرأ بالأقدار.
ومن الكلمات التي تبدو عابرة في ظاهرها، لكنها تحمل عمقًا مذهلًا في القرآن الكريم، كلمة: «كذلك».
كلمة صغيرة، لكنها في مواضع كثيرة كانت إعلانًا خفيًّا أن ما يحدث ليس صدفة، وأن خلف المشهد تدبيرًا لا تُدركه العين في لحظته الأولى.
في قصة يوسف عليه السلام، لم تأتِ «كذلك» عبثًا، بل كانت تأتي دائمًا عند التحوّلات الكبرى، وكأنها الخيط الذي يربط الألم بالحكمة، والمحنة بالتمكين.
حين أُلقي يوسف في البئر، كانت الرؤية البشرية ترى طفلًا ضائعًا، بينما كان الوحي يقول: ﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾
وحين واجه الفتنة في بيت العزيز، لم يكن الأمر مجرد نجاة أخلاقية، بل إعدادًا روحيًّا لنفسٍ ستتحمل أعباء المُلك: ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾
ثم بعد السجن والانكسارات الطويلة: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾
هنا نفهم أن التمكين لم يبدأ عند العرش، بل بدأ منذ البئر. وأن كل وجعٍ كان جزءًا من البناء، لا جزءًا من الهدم.
وكذلك في سورة الكهف: ﴿وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ﴾ ﴿وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾
فالكلمة هنا ليست مجرد ربط لغوي، بل انتقال قدري من حالٍ إلى حال، ومن خفاءٍ إلى ظهور، ومن ضعفٍ إلى آية يتعلّم منها الناس.
إن «كذلك» في القرآن تُعلّمنا أن الحياة لا تُفهم دائمًا من منتصف الطريق. فكم من حدثٍ ظننّاه سقوطًا، وكان في الحقيقة إعادة توجيه. وكم من بابٍ أُغلق لأن بابًا أكبر كان يُهيَّأ في الخفاء. وكم من تأخيرٍ كان رحمة، ومن خسارةٍ كانت حماية.
نحن البشر نحاكم اللحظة، أما الله فيدبّر المصير كاملًا.
لهذا، حين تضطرب الأحداث، وتتبعثر الأسئلة، ويعجز العقل عن فهم ما يجري، تذكّر أن هناك «كذلك» لم تتكشف بعد.
ربما ما تراه الآن فوضى، هو في الحقيقة ترتيب. وربما ما تظنه نهاية، ليس إلا بداية تُكتب بصمت.
فالله لا يُجري الأقدار عبثًا، وما بين البئر والعرش… كانت هناك كلمة واحدة: «كذلك».
تحياتي
نجوى نصر الدين





































