في مثل هذا اليوم، الحادي والعشرين من مايو عام 2022، كان الشاب محمود صلاح، (ابن الرابعة والثلاثين آنذاك)، على موعدٍ مع قَدَرٍ بدا وكأنه كُتبَ له منذ سنوات طويلة؛ حين تسلّم قرار تعيينه عمدةً لقرية القلمينا، ليصبحَ أصغر مَن تولّى العمودية في محافظة قنا. لم يكن اختيار المحاسب الشاب، (عقب رحيل والده العمدة صلاح ـ رحمه الله) مجرّد استجابةٍ لعاطفة الفقد، أو رغبةٍ في استمرار الاستقرار، بل جاء نتيجة اقتناعٍ واسع بين كبار العائلات وشباب القرية، بأن الابن الشاب قادرٌ على حمل الأمانة، وجديرٌ بالمسؤولية والمكانة. *** وُلد العمدة محمود صلاح محمد إسماعيل بيومي في الأول من فبراير عام 1988، (بعد نحو عامٍ من تولّي والده ـ طيّب الله ثراه ـ مسؤولية العمودية بالقرية).
بعد الثانوية، حصل الشاب محمود على معهد فني صناعي، ونظرا لتأثره في سنواته الدراسية الأولى بالأستاذين ناجي فؤاد، يرحمه الله، ومعتز شحات ـ بارك الله في عمره ـ فقد تولّد لديه شغفٌ خاص بمادة الرياضيات، دفعه للالتحاق بكلية التجارة بجامعة جنوب الوادي، حيث حصل على درجة البكالوريوس عام 2014، قبل أن يبدأ مسيرته العملية محاسباً بالشركة المصرية للاتصالات. ولا ينسى العمدة الشاب فضل عددٍ من أساتذته الذين تركوا أثراً عميقاً في تكوين شخصيته وصقل معارفه، ومنهم الشيخ أبوبكر حفني، ورجب عسران، وسعيد طايع، وغيرهم. *** منذ سنوات شبابه، وحتى قبل تخرّجه الجامعي، عُرف محمود ـ ابن العمدة ـ بحضوره القريب من الناس، وتفاعله الدائم مع أقرانه من الشباب، وانخراطه في الأعمال الخيرية والخدمية داخل القرية.
وبفضل دماثة خُلقه وبساطته في التعامل، اتّسعت مساحات المحبة بينه وبين شباب القرية وكبارها على السواء، كما كان يرافق والده في كثيرٍ من المواقف اليومية والمشكلات التي تُعرض عليه، فيشاهد بنفسه كيف تُدار أمور الصلح والإصلاح بحكمةٍ وخبرةٍ امتدت لأكثر من أربعة وثلاثين عاماً قضاها العمدة الوالد في خدمة الناس.
وفي السنوات الأخيرة من حياة والده، كان يُنيبه عنه في بعض الملفات، لا سيما ما يتعلق بالقياسات والحدود الزراعية، وملف التربية والتعليم، وغيرها من القضايا التي تمسّ حياة الأهالي بشكل مباشر.
ولم يكتفِ العمدة الوالد بذلك، بل راح ينقل لابنه عصارة تجاربه وخبراته في الحياة؛ حيث كان يوصيه بألّا يقابل الإساءة بمثلها، وأن “يعامل الناس بأخلاقه لا بأخلاقهم”، وأن يستمع لجميع الأطراف قبل اتخاذ أي قرار، وأن يستعين بخبرات الكبار، امتثالاً لقوله تعالى ﴿وشاورهم في الأمر﴾، إلى جانب نصائح وتوجيهات كثيرة لا يتّسع المقام لذكرها. *** ومنذ أن تولّى دفّة المسؤولية قبل أربعة أعوام، بذل العمدة الشاب جهداً كبيراً لتحسين الأوضاع داخل القرية، فتم إنشاء وحدة صحيّة حديثة، ومبنى صحي خاص بالأمومة والطفولة، وذلك ضمن المبادرة الرئاسية (حياة كريمة)، كما شهد العام الماضي صيانة وتجميل المدرسة الأم (القلمينا المشتركة)، بالجهود الذاتية، بتكلفة تجاوزت نصف مليون جنيه، ونُجدّد هنا الشكر والتقدير لكل من ساهم في هذا العمل من متبرّعين وفنيين وغيرهم.
في سبتمبر 2023، وفي مبادرة غير مسبوقة، قام العمدة الشاب بتكريم أبناء قريته النابغين، حيث سلّم دروع تكريم وشهادات تقدير لأبناء القرية الحاصلين على شهادات الدكتوراه، والمدرسين المساعدين بالجامعات، وأوائل الثانوية العامة بهذا العام، وكذا الحاصلين على تقدير امتياز في الشهادات الجامعية، وحفَظَة القرآن الكريم، وذلك في احتفال كبير شهده نائب رئيس جامعة جنوب الوادي، د. أبوالفضل بدران، ووكيل وزارة التعليم بقنا وقتها، ولفيف من كبار الضيوف. *** ولا يزال الرجل يتابع باهتمامٍ كل ما من شأنه خدمة القرية وتطويرها؛ فمن المنتظر البدء قريباً في إنشاء المبنى الجديد لمدرسة العروبة، (مثمّناً في هذا الملف جهود النائب عبدالفتاح دنقل)، ومبيناً أن اشتراطات (الحماية المدنية) تعوق حالياً مشروع إنشاء المعهد الأزهري بناحية القويرات، مؤكداً السعي الجاد لحلّ هذا الإشكال.
أما أزمة القمامة، فأشار إلى التنسيق الجاري مع مجلس المدينة لتخصيص “قلّاب” يعمل عليه شباب من القرية لجمعها من المنازل، مقابل اشتراك رمزي، كما أوضح أنه سيتم قريباً تعلية جانبَي الترعة بارتفاع نصف متر أمام المساكن والمدارس، حفاظاً على السلامة العامة.
ويطمح العمدة محمود خلال المرحلة المقبلة إلى إنشاء وحدة محلية بالقلمينا، إلى جانب إنشاء مدرسة تعليم أساسي تخدُم ناحيتَي عزبة محمود إبراهيم وعزبة داود.
وقد أثمرت هذه الجهود المخلصة تقديراً مستحقاً من الدولة، حيث جرى تكريمه عام 2025 كأفضل عمدة على مستوى محافظة قنا. *** ورغم كثرة الأعباء اليومية التي يتحمّلها، ما بين حلّ المشكلات، ومتابعة الملفات الخدمية، والتواصل مع المسؤولين بمجلس المدينة ومركز الشرطة، فإنه لا يغفل أبداً عن حضوره الإنساني والاجتماعي بين أبناء قريته؛ فتراه مشاركاً في الأفراح، حاضراً في حفلات الزواج، أو مؤدياً واجب العزاء بالمنادر والسرادقات، فضلاً عن حرصه على نشر برقيات التهنئة والتعزية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وللتخفُّف قليلاً من أعباء المسؤولية، يحاول العمدة الشاب أن يجد وقتاً لممارسة هوايته المفضلة؛ كرة القدم، كاشفاً عن انتمائه وتشجيعه الأصيل للنادي الأهلي. ***
أكرم الله الرجلَ بثلاث زهرات يملأن حياته بهجةً وسروراً: هُنّ تاليا (بالصف الثالث الابتدائي)، وليله (بالصف الأول الابتدائي)، وتدرسان بمدرسة القلمينا للتعليم الأساسي، والصغيرة زينة، (ثلاثة أعوام ونصف).
ويبقى حلم “العمدة المحمود” أن تسود بين أبناء القرية علاقات المودة والاحترام والتقدير، إيماناً منه بأن “الدنيا مش مستاهلة”، فيما نتمنى له نحن أيضاً التوفيق على الدوام، وأن يُعينه الله على استمرار تحمُّل أمانة المسؤولية، ويحقق على يديه كل الخير لقريتنا الطيبة وناسها الكرام، ندعو الله ان يحفظه ويرعاه وان يوفقه في خدمة بلدنا الغالية وان يمتعه الله بالصحة والعافية وطول العمر.