بقلم: نجوى نصر الدين
ثمة لحظة في حياة الإنسان يدرك فيها أن العالم الذي كان يظنه ثابتًا بين يديه، قد انسلَّ بهدوء كما ينسل الماء من بين الأصابع. لحظة يكتشف فيها أن كثيرًا مما قاتل لأجله، وتمسّك به، وأرهق قلبه في سبيل الحفاظ عليه، لم يكن إلا وهماً جميلاً صنعه الخوف من الفقد.
العالم أفلت من قبضتنا، لا لأننا ضعفاء، بل لأن طبيعة الأشياء تقوم على التحوّل. فالزمن لا يتوقف، والوجوه تتغير، والعلاقات تتبدل، والأماكن التي كانت تضج بالحياة قد تصبح أطلالًا من الذكريات. ومع ذلك، يظل بعضنا مصرًّا على التشبث بما رحل، كمن يتمسك بذيل سمكة ظنًّا منه أنها ستعيد إليه البحر.
لكن أي بحر هذا الذي ننتظره؟
وقد استُبيحت مياهه، وتعكّرت صفاؤه، وتبدّلت ملامحه؟
إن التعلّق المفرط بالماضي لا يعيد ما مضى، بل يحرمنا من القدرة على رؤية ما هو ممكن. نحن لا نعيش لنحرس الأطلال، ولا لنظل أسرى لحكايات انتهى فصلها الأخير. إنما نعيش لنفهم أن الخسارة ليست نهاية الطريق، بل قد تكون بوابة لولادة جديدة أكثر اتساعًا ونضجًا.
أحيانًا يكون أكثر الأفعال شجاعة هو أن نُفلت ما بأيدينا. أن نتصالح مع فكرة أن بعض الأشياء لم تُخلق لتدوم، وأن بعض الأشخاص كانوا مجرد عابرين تركوا أثرًا ثم مضوا. وأن ما نظنه نهاية، قد يكون في حقيقته تحريرًا من عبء ثقيل حملناه طويلًا.
الحياة لا تكافئ من يتشبث بكل شيء، بل من يعرف متى يتمسك، ومتى يترك، ومتى يمضي بقلب خفيف وروح مؤمنة بأن الله يعوّض دائمًا ما يفلت منا بشيء أجمل وأنقى.
فإذا كان العالم قد أفلت من قبضتنا، فلعل الحكمة ليست في مطاردته، بل في إعادة اكتشاف ذواتنا بعيدًا عن كل ما ظنناه يومًا ضرورة لا غنى عنها.
ليس كل ما نفقده خسارة، وليس كل ما نتمسك به يستحق البقاء. أحيانًا تكون النجاة الحقيقية في أن نفتح أيدينا، ونترك للريح ما لم يعد لنا، ونحتفظ فقط بما يجعل أرواحنا أكثر سلامًا واتزانًا.
فلا تتعب قلبك في التعلق بما تغيّر، ولا تستهلك روحك في ملاحقة بحر لم يعد كما كان. يكفيك أن تؤمن أن الله حين يأخذ شيئًا، يهيئ لك ما هو أصلح، وأن ما كُتب لك سيصل إليك ولو بعد حين.
امضِ مطمئنًا، واترك للحياة حكمتها، وللقدر تدبيره، ولروحك حقها في أن تبدأ من جديد. ففي بعض النهايات رحمة، وفي بعض الخسارات نجاة، وفي بعض الانفلات خلاصٌ لم نكن ندرك قيمته إلا بعد أن تهدأ العاصفة.
تحياتي
نجوى نصر الدين





































