في زمنٍ تتساقط فيه الأشياء من حولنا كما تتساقط أوراق الخريف، لا يعود السؤال: ماذا فقدنا؟ بل يصبح: كيف ما زلنا نقف؟
الخريف ليس فصلًا في الطبيعة فحسب، بل حالة تمتد إلى الروح، حين تتبدل الوجوه، وتبهت الوعود، ويصير الدفء ذكرى بعيدة، كأن الحياة قررت فجأة أن تُخفف عنا ثقل الألوان.
كل شيء يوحي بالذبول: العلاقات التي كانت يومًا وارفة، الأحلام التي تأخرت حتى هرِمت، والضحكات التي صارت تمرّ خفيفة كأنها تخشى البقاء.
ومع ذلك… ثمّة شيء عنيد في الداخل، شيء لا يخضع لهذا الانطفاء العام، شيء يرفض أن يساوم على حقه في الإزهار.
ذلك هو القلب.
القلب الذي يصرّ، رغم كل شيء، أن يحتفظ ببذرة ربيعٍ لا تُرى، لكنه يشعر بها جيدًا.
قد يخدعنا المشهد الخارجي، وقد نقنع أنفسنا أننا دخلنا فصل النهاية، لكن الحقيقة الأعمق أن داخل كل خريف، حكاية ربيعٍ مؤجل… لا أكثر.
القلب لا يقيس الزمن بالفصول، ولا يؤمن بقوانين الذبول، هو كائن مشاكس، ينبت الأمل حتى في أرضٍ قاحلة، ويزرع الضوء في عتمةٍ كثيفة.
ربما لهذا نستمر. ليس لأن الطريق سهل، ولا لأن الحياة عادلة، بل لأن داخلنا شيئًا يرفض الاستسلام، يُعيد ترتيب الفوضى، ويهمس فينا كل مرة: “لم ينتهِ كل شيء بعد.”
الربيع الحقيقي لا يأتي من الخارج، لا يرتبط بدرجات الحرارة، ولا بمواسم التقويم، إنه قرار داخلي… أن تبقى حيًا رغم ما مرّ بك، أن تُحب رغم الخذلان، أن تحلم رغم الخسارات.
أن تؤمن أن ما فيك أقوى مما حولك.
قد تُشع الأرض من حولك خريفًا، وقد يطول هذا الفصل أكثر مما ينبغي، لكن ما دام قلبك متمسكًا بربيعه، فأنت لم تخسر بعد.
لأن الربيع، في النهاية، ليس موعدًا… بل موقف تحياتي نجوى نصر الدين