بقلم: نجوى نصر الدين
ليس رمضان شهرًا يمرّ في التقويم، بل حالةٌ إنسانية كاملة، يدخل إلينا دون استئذان، ويعيد ترتيب الفوضى التي تراكمت في أرواحنا طوال العام. يأتي خفيفًا، لكنه يترك أثرًا ثقيلًا في الذاكرة، كأنه يذكّرنا بنسخةٍ أنقى من أنفسنا كدنا ننساها.
في رمضان، تهدأ الأصوات العالية، لا لأن العالم صار أكثر رحمة، بل لأن الداخل صار أصدق. الصيام ليس امتناعًا عن الطعام فقط، بل تدريبٌ صامت على كبح الجوع الأكبر: جوع الروح للسلام، وجوع القلب للاطمئنان، وجوع الإنسان لأن يكون أفضل مما كان.
رمضان لا يطلب منا الكمال، بل الصدق. لا يسألنا عن عدد الركعات بقدر ما يسألنا: هل خفّ حملك؟ هل سامحت؟ هل أغلقت بابًا كان يستنزفك؟ في هذا الشهر، تصبح النوايا أثقل من الأفعال، والدمعة الصادقة أبلغ من ألف كلمة.
البيوت في رمضان تختلف، حتى إن تشابهت الموائد. هناك دفءٌ خفيّ في التفاصيل: رائحة الخبز قبيل المغرب، دعاء الأم دون صوت، نظرة الأب التي تختصر ألف وصية، وصمت المائدة قبل الأذان… ذلك الصمت الذي لا يشبه أي صمت آخر، لأنه ممتلئ بالرجاء.
رمضان يعلّمنا أن الوقت يمكن أن يكون كريمًا، وأن القليل قد يكفي، وأن الإنسان لا يخسر حين يعطي، بل يربح نفسه. هو شهر إعادة التوازن؛ بين الجسد والروح، بين الرغبة والرضا، بين ما نريده وما نحتاجه حقًا.
وحين ينقضي رمضان، لا يرحل كله. يبقى منه شيء فينا… في طريقة نظرنا للحياة، في قدرتنا على الاحتمال، وفي إيماننا بأن القلب، مهما أتعبه العالم، ما زال قادرًا على النور.
رمضان ليس شهرًا نعيشه…
بل مرآة نرى فيها أنفسنا كما يجب أن نكون
تحياتي
نجوى نصر الدين





































