أزمة الوعي قبل أزمة الحكم في مجتمع بلا ضمير يبحث عن مسؤول نزيه
ليست أزمة المجتمعات في فقر الموارد ولا في قلة الفرص، بل في اختلال البوصلة التي تضبط العلاقة بين الفرد والمسؤولية. فالمشهد البسيط، الذي يبدو عابرًا، حين يُلقى كيس القمامة في الطريق العام بدلًا من مكانه المخصص، ليس فعلًا معزولًا أو سلوكًا عابرًا، بل هو تعبير مكثف عن منظومة قيم كاملة، أو بالأحرى عن غيابها. الشعب الذي يعجز عن احترام الفضاء المشترك، كيف له أن يحسن اختيار من يدير هذا الفضاء؟ وكيف لمن لا يرى في الشارع إلا امتدادًا لفوضاه الخاصة، أن يطالب بدولة منظمة، أو بحكم رشيد، أو بمسؤول نزيه؟ إن وضع القمامة في غير مكانها ليس مجرد مخالفة للنظام، بل هو إعلان غير مباشر عن انقطاع الصلة بين الفرد والجماعة، بين الحق والواجب، وبين الحرية والمسؤولية. وحين تغيب هذه الصلة في التفاصيل الصغيرة، يصبح من الطبيعي أن تغيب في القضايا الكبرى؛ من اختيار المسؤول، إلى محاسبته، إلى الدفاع عن الصالح العام. لا يولد الفساد في المؤسسات وحدها، بل يبدأ في الأرصفة، وفي الطوابير، وفي احترام الدور، وفي الالتزام بقانون لا يراقبه شرطي، بل يراقبه الضمير. فالمسؤول السيئ ليس دائمًا نقيض الشعب، بل غالبًا انعكاس له. هو صورة مكبرة لثقافة يومية سمحت بالتجاوز الصغير، فصار التجاوز الكبير مقبولًا، ثم صار قاعدة لا استثناء. إن الديمقراطية، أو أي شكل من أشكال الحكم، ليست صندوق اقتراع فحسب، بل هي ممارسة يومية تبدأ من أبسط السلوكيات. فكما نختار أن نرمي القمامة حيث نشاء حين يغيب الرقيب، نختار أيضًا المسؤول الذي يشبهنا حين تغيب المعايير. والنتيجة واحدة: فضاء عام ملوث، سياسيًا كما هو ملوث بيئيًا. ليس السؤال الحقيقي: لماذا فشل المسؤول؟ بل لماذا نجح هذا المسؤول تحديدًا في الوصول إلى موقعه؟ ما البيئة التي احتضنته؟ وما الثقافة التي بررته؟ فقبل أن نطالب بتغيير الوجوه في السلطة، علينا أن نراجع الوجوه في المرآة. إن إصلاح الحكم لا يبدأ من أعلى الهرم، بل من قاعدته. من المواطن الذي يرى في الشارع بيته الكبير، وفي القانون عقدًا أخلاقيًا لا قيدًا مفروضًا، وفي المسؤول خادمًا لا سيدًا. عندها فقط، ودليلًا على جاهزية المجتمع لاختيار من يستحق أن يحكمه. فالدول لا تُبنى بالخطب الرنانة، بل بسلوكيات صامتة، متكررة، يومية… تبدأ بسلة مهملات، وقد تنتهي بدولة محترمة. عند هذه النقطة تحديدًا، يصبح السلوك اليومي فعلًا سياسيًا، وتتحول الأخلاق الصغيرة إلى شرط للحكم الكبير. فقبل أن نسأل: من يحكمنا؟ علينا أن نسأل بقلق أشد: أي نوع من البشر نحن، وأي سلطة نُهيئ لها الطريق دون أن نشعر؟
ثم نسأل ببراءة مصطنعة: لماذا فشل الوطن؟ لأن الوطن، ببساطة، لا يُبنى بأفراد يتقنون الشكوى ويجهلون الالتزام. لا يُبنى بشعارات كبرى تُرفع بأيدٍ لا تحترم أبسط القوانين. ولا يُبنى بمجتمع يريد دولة نظيفة بعقلية متسخة. الديمقراطية ليست حقًا مجانيًا، بل امتحان أخلاقي. وصندوق الاقتراع لا يُصلح ما أفسدته السلوكيات اليومية. فمن اعتاد الفوضى في حياته الخاصة، سيمنح صوته لمن يُتقن إدارتها على المستوى العام. ومن تصالح مع الخطأ الصغير، سيبرر الجريمة الكبرى باسم الواقعية أو الضرورة.