لحظة التنوير الكبرى حين تسقط الأقنعة وتتكشف الحقيقة
كتب/أيمن بحر
أجمل ما فى كل ما يجرى حولنا اليوم أنه يعيد التأكيد على حقيقة راسخة لدى كل من أحب هذا الوطن وآمن به منذ البداية وهى أننا كنا على الحق المبين حتى وإن تأخر البعض في إدراك ما كان يجرى خلف الكواليس فقد وصلنا الآن إلى لحظة التنوير فى القصة تلك اللحظة التي تنكشف فيها الحقيقة التي ظلت مخفية طوال سيناريو طويل ومعقد
إنها اللحظة التى يدرك فيها المتلقي أن ما كان يبدو بريئا لم يكن كذلك وأن ما ارتدى قناع الورع أو المقاومة أو الوطنية لم يكن سوى ذئب متخف في ثوب الجدات والمخلصين ففي كل القصص الكبرى تأتي لحظة الاكتشاف متأخرة حين نعرف أن الراوى هو الجاني وأن البطل المزعوم هو أداة الشر وأن آخر من نشك فيه هو الفاعل الحقيقى
منذ اندلاع أحداث تونس فى ديسمبر 2010 ثم مصر فى يناير 2011 كان المشهد واضحا لمن أراد أن يرى فالأمر لم يكن ثورات عفوية ولا انتفاضات بريئة بل مسارا معدا بعناية لدفع المنطقة إلى الطريق التوراتى للتاريخ ذلك الطريق الذي تحدث عنه تيودور هيرتزل قبل أكثر من قرن والذى لا يتحقق إلا عبر مجموعة من المخططات التنفيذية المتشابكة
أول هذه المخططات هو مخطط جيورا آيلاند للتهجير القسري والذي يستهدف اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وإعادة توطينه خارجها ثم يأتي مخطط برنارد لويس القائم على التقسيم والتفتيت على أسس عرقية وطائفية ومذهبية يليه مخطط حدود الدم لرالف بيترز الذي يؤسس لحروب دائمة بلا نهاية وصولا إلى مخطط قوس الأزمات السني الشيعي الذي يشعل المنطقة من داخلها
ولتنفيذ مخطط التهجير كان لا بد من إيصال جماعة لا تؤمن بفكرة الوطن أو الحدود إلى سدة الحكم في مصر فتم الدفع بجماعة الإخوان التي صنعت في المعامل البريطانية لتقوم بالدور المطلوب وحين فشلت في مهمتها تم إخراج مشهد السابع من أكتوبر ليؤدي نفس وظيفة الخداع الكبرى واليوم بات واضحا الهدف النهائي لذلك الفيلم المشترك بين أجهزة استخباراتية وحركات مقاومة زائفة
الإصرار المحموم على توطين الفلسطينيين في مصر لا ينبع من عبث بل من هدفين استراتيجيين أولهما إنهاء الصراع التاريخي بين القاهرة وتل أبيب وإغلاق ملف فلسطين إلى الأبد لتصبح أرضا بلا شعب كما جرى مع الهنود الحمر وثانيهما إعادة تشكيل طبيعة الصراع في المنطقة من صراع سياسي إلى صراع طائفي ديني
ومن أجل هذا التحول جرى تصنيع ثورة الخوميني ثم صناعة حزب الله ثم تقديم نسخة جديدة من الإسلام السياسي السني عبر شخصيات مثل الجولاني أو الشرع ليكون الأداة القادمة في تنفيذ مخطط التفتيت
مخطط برنارد لويس يعتمد على تغذية العصبيات والهويات الضيقة وصولا إلى كيانات صغيرة ضعيفة قابلة للسيطرة وهو ما يفتح الباب تلقائيا لمخطط حدود الدم حيث تتحول المنطقة إلى ساحات صراع دائمة على النفط والثروات والمياه والنفوذ في مشهد نراه اليوم في ليبيا واليمن والسودان
ومع استمرار هذه الحروب اليومية يصبح المسرح مهيأ لتفعيل قوس الأزمات السني الشيعي حيث يتم الاصطفاف خلف قطب سني وآخر شيعي في صراع طويل الأمد يستنزف الجميع وقد أثبتت التجربة في سوريا نجاح هذا النموذج وتؤكده اليوم المناوشات المتكررة بين الأطراف المسلحة
الهدف النهائي لهذا السيناريو هو تهجير الفلسطينيين وتقسيم الشرق الأوسط إلى دويلات هشة تدخل في حروب دائمة بلا جدوى بينما يتحقق الحلم التوراتي القديم من النيل إلى الفرات وتكتمل ملامح المسار المرسوم منذ عقود
في مواجهة ذلك كله وقفت مصر سدا منيعا في وجه هذه المخططات فحاربت مشروع التهجير وواجهت مخطط التقسيم منذ اللحظة الأولى سواء عند تنحي الرئيس مبارك أو خلال محاولات إشعال الفتنة الداخلية أو الهجوم على مؤسسات الدولة أو افتعال الأحداث الدامية وكان الهدف واحدا دائما جر مصر إلى حرب أهلية تمهيدا للانتقال إلى مرحلة حدود الدم
لحظات التنوير جميلة في القصص والروايات لكنها مؤلمة في الواقع لأنها تكشف حجم الخداع الذي تعرضنا له ومع ذلك تبقى لحظات الحب والصدق والنبل هي ما يمنح الأوطان القدرة على الصمود فالأمم لا تحيا بالمؤامرات وحدها بل بوعي شعوبها وقدرتها على التمييز بين الذئب والراعي وبين الحقيقة والوهم




































