بقلم نجوى مصر الدين
ليست بعض الأيام مجرد تواريخ في التقويم، بل تتحوّل مع الزمن إلى ذاكرة حيّة تسكن ضمير الأمة. ومن بين هذه الأيام يقف يوم الشهيد في مصر شاهدًا على معنى التضحية التي تُكتب بالدم، وتبقى حاضرة في وجدان الشعوب جيلاً بعد جيل.
يُحيي المصريون يوم الشهيد في التاسع من مارس من كل عام، تخليدًا لذكرى استشهاد عبد المنعم رياض، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، الذي استشهد عام 1969 أثناء تفقده مواقع الجنود على جبهة القتال خلال حرب الاستنزاف ضد إسرائيل. لم يكن وجوده في الصفوف الأمامية مجرد إجراء عسكري، بل كان رسالة قيادةٍ تؤمن بأن القائد الحقيقي لا يقف خلف الجنود، بل بينهم.
في تلك اللحظة التاريخية، تحوّل استشهاد الفريق عبد المنعم رياض إلى رمزٍ لمعنى أعمق من الموت في ساحة المعركة؛ أصبح صورة للقائد الذي يختار أن يشارك جنوده الخطر نفسه، وأن يدفع معهم ثمن الدفاع عن الوطن.
لكن يوم الشهيد في جوهره لا يخص شخصًا واحدًا، مهما كان قدره، بل هو يوم لكل الذين كتبوا أسماءهم في سجل الخلود. أولئك الذين لم يطلبوا مجدًا شخصيًا، ولم يسعوا إلى شهرة، لكنهم أدركوا أن بعض القيم لا تُصان إلا بالتضحية.
إن الشهيد، في المعنى الإنساني العميق، ليس مجرد إنسان سقط في معركة، بل هو شاهدٌ على قيمةٍ آمن بها حتى النهاية. وكأن الشهادة تقول لنا إن الوطن ليس أرضًا فحسب، بل فكرة تستحق أن نحميها، وأن نحفظها للأجيال القادمة.
ولهذا، يصبح يوم الشهيد لحظة تأمل أكثر منه احتفالًا. نتذكر فيه أن الأوطان لا تُبنى بالكلمات وحدها، بل تُبنى بعرق العامل، وعلم الباحث، وتضحية الجندي الذي يقف على الحدود حارسًا للسلام.
إن أعظم ما يخلّده يوم الشهيد ليس الحزن على الراحلين، بل الوعد الصامت الذي يتركه الشهداء للأحياء:
أن الوطن الذي رُوي بالدم يجب أن يُصان بالوعي، والعمل، والوفاء.
وهكذا يبقى يوم الشهيد ليس مجرد ذكرى في التاريخ، بل مرآة يرى فيها الوطن نفسه… ويسأل أبناءه كل عام:
هل ما زلتم أوفياء لمن دفعوا الثمن؟
تحياتي
نجوى نصر الدين



































