كتبت نجوى مصر الدين الكتابة كمرآة للذات حين نقرأ أنفسنا في نصوص الآخرين
أريد أن أنوّه هنا إلى أن كل ما أكتبه نابع من نظرة ومنظور فلسفي وفني أدبي ونفسي أحيانًا، ولا علاقة له بأحدٍ ما، أو مقصود به أحد، أو فيه رسالة لأحدهم. وهنا يأتي جمال الأدب والكتب، حيث أننا نقرأ أنفسنا والحياة من خلال ما كتبه الآخرون الذين قد توفّوا منذ قرون، أو الذين هم في شمال الأرض لا يعرفون عنا شيئًا، أو الذين نعرفهم والذين لا نعرفهم، ومن خلالهم نغوص في المعرفة التي توسّع مداركنا.
فالكتابة ليست مرآة للآخرين بقدر ما هي مرآة للذات، نرى فيها ما خفي عن وعينا اليومي، ونكتشف ما كنا نجهله عن أنفسنا. الكلمة حين تُكتب بصدق، تتحوّل إلى كائنٍ حرّ، يتجاوز نية الكاتب ومقصده، ويستقرّ في قارئٍ لا يشبهه في شيء سوى في الحاجة إلى الفهم والنجاة.
إن الأدب لا يطلب تبريرًا، ولا ينتظر إذنًا ليعبّر. هو فعل وجوديّ يقاوم الصمت، ويحاول أن يفسّر ما لا يُفسَّر. لذلك، فكل نصّ نكتبه هو في جوهره محاولة لترميم شيء ما انكسر فينا أو حولنا. وربما لهذا السبب، يبدو الكاتب دائمًا وكأنه يعيش على الحافة بين البوح والكتمان، بين الرغبة في أن يُفهَم والخوف من أن يُساء فهمه.
إننا حين نكتب، لا نوجّه الرسائل إلى أشخاصٍ بعينهم، بل نكتب لأننا لا نحتمل ثقل ما في الداخل. ولأن اللغة وحدها تملك تلك القدرة العجيبة على تحويل الألم إلى معنى، والمعنى إلى جمال، والجمال إلى خلود.
لهذا، فإن الأدب في النهاية ليس خطابًا لأحد، بل حوارٌ مع الوجود ذاته، ومع الجزء الغامض من أرواحنا الذي لا يتكلّم إلا بالحبر. تحياتي نجوى نصر الدين