ما زالت ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، بعد مرور أكثر من ٧٠ عاماً، علامة فارقة حفرت في ذاكرة مصر والمنطقة. لم تقتصر على إسدال الستار على عهد ملكي، بل فتحت الباب أمام مرحلة جديدة ارتقت بمصر إلى مصاف الفاعلين الكبار في مسرح الشرق الأوسط طوال عقود الحرب الباردة.
وما لا يعلمه كثيرون أن هذه الثورة لم تكن موضع رصد مصري وحده، بل كانت هدفاً دائماً لأعين أعتى أجهزة الاستخبارات العالمية، وفي مقدمتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية الـ CIA. كانت تتابع نبض القاهرة لحظة بلحظة، وتراجع كل تقدير سبق أن صاغته عن الحركة ورجالها.
والوثائق التي رفعت عنها السرية في العقود الماضية تزيح الستار عن عقلية واشنطن، وعن المكانة التي احتلتها مصر في سلم أولوياتها الاستراتيجية. ومن أبرز ما كشفته هذه الوثائق ما عُرف داخل أروقة الوكالة بـ “دراسات ما بعد الحدث” أو “دراسات الصلاحية”. وهي ليست سرداً للتاريخ، بل محاسبة للذات. سؤال يطرحه المحلل على نفسه بعد سنوات: هل أصبنا؟ وأين زللنا؟ ولماذا؟ وكيف نتفاداه لاحقاً؟
ولم يكن الأمر اعتباطاً. فمصر آنذاك لم تكن دولة عربية تقليدية. كانت الأكبر سكاناً، وحاضنة لأهم شريان ملاحي في العالم وهو قناة السويس، ومقراً لأضخم قاعدة عسكرية بريطانية خارج حدود التاج البريطاني، فضلاً عن ثقلها السياسي والإعلامي الذي كان يمتد من المحيط إلى الخليج. ومن البديهي أن أي اهتزاز في القاهرة كان كفيلاً بإعادة رسم خريطة القوى في الإقليم برمته، ولهذا تابعتها واشنطن منذ اللحظة الأولى بعين لا تنام.
وشغلت بال المحللين الأمريكيين آنذاك ٣ معضلات كبرى. الأولى: هل هذه الحركة عابرة وستنطفئ خلال أشهر، أم أنها مشروع دولة؟ الثانية: من يمسك بزمام الأمر حقاً؟ بدأ الأمر بالاعتقاد أن اللواء محمد نجيب هو الواجهة والقائد، ثم شيئاً فشيئاً تكشفت خيوط اللعبة لتشير إلى أن الفاعل الحقي وصاحب القرار هو جمال عبد الناصر. الثة والأخطر: إلى أي فلك ستميل مصر؟ هل ستكون في حضن واشنطن أم في فلك موسكو؟ في البداية سادت قراءة متفائلة بإمكانية شراكة مع النظام الجديد، لكن هذه القراءة تهاوت مع أزمة تمويل السد العالي، وانهارت تماماً عقب صفقة السلاح التشيكية عام ١٩٥.
لكن الأهم من التوقعات كان الاعتراف. فقد أقرت الـ CIA في مراجعاتها اللاحقة بسلسلة من الأخطاء الجوهرية. أولها: الاستهانة بقدرة عبد الناصر على فرض قبضته على المؤسسة العسكرية. ثانيها: الفشل في استشراف سرعة انقضاضه على خصومه السياسيين. ثالثها: العجز عن إدراك موهبته في نسج قاعدة جماهيرية عريضة داخل مصر وفي أرجاء الوطن العربي. أما الخطيئة الكبرى فكانت في توصيف الحدث بأنه “انقلاب عسكري محدود”، بينما أثبتت مسيرة السنوات أنه كان مشروعاً حضارياً وسياسياً متكاملاً أعاد صياغة المنطقة بأكملها. ومن رحم هذا الفشل ولدت مراجعة شاملة لمناهج التحليل داخل الوكالة، بعد أن ثبت قصور أدواتها التقليدية عن إدراك عمق التحول المصري.
وهنا تتجلى فلسفة العمل الاستخباري الأمريكي. فهو لا يقف عند حدود الرصد اللحظي، بل يعود القهقرى بعد سنوات ليقارن بين التوقع والواقع، بهدف صقل أدواته للمستقبل. ولهذا كانت “دراسات الصلاحية” بمثابة تشريح ذاتي لا يهدف لتدوين التاريخ بقدر ما يهدف لترميم العقل التحلي.
ولم تقف الوثائق عند هذا الحد، بل احتضنت أيضاً أول تقييم استخباري لشخصية عبد الناصر، وأول تعليق أمريكي على نجاح الثورة، وأول موقف بريطاني بعد رحيل الملك فاروق. وهي شواهد تكشف كيف كانت العواصم الكبرى ترقب ما يجري في القاهرة بقلق وترقب.
وخلاصة القول أن قراءتنا اليوم لملفات الـ CIA عن يوليو ١٩٥٢ ليست قراءة في أوراق سرية فحسب. هي قراءة في مرآة واشنطن وهي ترى مصر تولد من جديد. وهي اعتراف متأخر بأن ما حدث لم يكن تبديل حكومة، بل كان انبثاق مرحلة جديدة قلبت موازين القوى لعقود. ولذلك ظل الملف المصري متربعاً على رأس أولويات وكالة المخابرات المركزية طوال سنوات الحرب الباردة.