بقلم نجوى نصر الدين
حين تصدأ الإبر وتغيب الشمس
تظلّ الأمّ ذلك المعنى الذي لا يُختصر في كلمة، ولا يُحاصر في وصف. هي الملاذ الأول حين تضيق الحياة، واليد التي تُمسك الروح قبل الجسد، وتخيط ما تمزّق فينا بصمتٍ لا يُرى ولا يُكافأ. وكأنها تُرمم الإنسان دون أن تطلب أن يُرى أثرها.
يُقال إن الإنسان يظل طفلًا ما دامت أمه حيّة، فإذا رحلت، كبر فجأة… لا لأن العمر تغيّر، بل لأن الحماية الأولى انسحبت من العالم، فصار كل شيء أكثر قسوة ووضوحًا مما يحتمل القلب.
وعندما ترحل الأمهات، تتبدّل تفاصيل الحياة الصغيرة التي لم نكن ننتبه لها. كأن الأشياء التي كانت تُرمَّم دون جهد تُترك الآن لفراغها، وكأن “الإبر” التي كانت تخيط جراحنا بهدوء قد وُضعت جانبًا، فغمرها الصمت وبدأ عليها الصدأ.
وعندما تغيب الأم، لا يتوقف الحب، لكن تتغيّر طريقة الأمان…
يبقى الدعاء هو الخيط الوحيد الذي لا يصدأ، يمتدّ من القلب إلى الغيب دون أن ينقطع،
وتبقى الصدقة هي الإبرة التي تواصل العمل عنها في الخفاء، تخيط أثرها في ميزان الرحمة كل يوم،
أما الذكر الطيب، فهو ما يرمّم ما لا يُرى في الروح، ويعيد ترتيب الفقد داخلنا على مهل، حتى يصبح الحنين دعاءً لا وجعًا.
تلك الإبر ليست أدوات، بل رموز. هي الحنان الذي كان يصلّح الانكسارات قبل أن نُدرك أنها انكسرت، والكلمة التي تُطفئ الحزن، واللمسة التي تُعيد ترتيب الفوضى داخلنا دون أن نشعر. ومع غيابها، لا يتوقف الشفاء، لكنه يصبح أبطأ، أعمق، وأكثر صدقًا ووجعًا.
وتبقى الأم بعد رحيلها في تفاصيل الذاكرة، وفي الدعاء الذي لا ينقطع، وفي الحنين الذي لا يشيخ. ويظلّ أثرها يعمل بصمت، كخيطٍ خفيّ لا يُرى، لكنه ما زال يربط القلب بما فقد.
ثم يأتي غياب الأب… لا كحدثٍ عابر، بل كظلٍّ ينكسر في منتصف الضوء.
وعندما يرحل الآباء، تغيب شمس الحياة وهي في عزّ شروقها…
لا لأن النهار انتهى، بل لأن الضوء الذي كان يوجّه خطواتنا قد انطفأ، فصار الطريق أطول، وأكثر صمتًا وحنينًا.
يبقى الفقد مختلفًا حين يغيب الأب، كأن السند الذي كان يُقيم انحناءاتنا في مواجهة العالم قد انسحب بهدوء، وتركنا نواجه أنفسنا بصلابة لم نعتدها من قبل.
ومع ذلك، لا يغيب أثره… يبقى في المواقف التي علّمنا فيها الصمود دون كلام، وفي النصائح التي لم تكن تُقال كثيرًا لكنها كانت تُفهم بعمق، وفي القوة التي ورثناها منه دون أن ندرك.
إنها ليست نهاية الحضور، بل تحوّله إلى معنى آخر… معنى يسكننا أكثر مما يُرى، ويقودنا بصمت كلما تعثّرنا في الطريق.
اللهم ارحم أمهاتنا وآباءنا جميعًا، واجعل قبورهم نورًا وسكينةً ورحمةً لا تنقطع، واغفر لهم ووسّع عليهم مدّ البصر.
تحياتي
نجوى نصر الدين





































