بقلم نجوي نصر الدين 🌹 ✍🏻
الجذور أولًا… فالثمار لا تُصلح نفسها
ثمة خطأ يتكرر في حياتنا، حتى أصبح عادةً لا ننتبه إليها؛ أننا ننشغل بالثمار، وننسى الجذور. نلوم النتائج، ونغفل الأسباب. نطارد المظاهر، ونترك الأسس التي صنعتها.
ولهذا جاءت تلك العبارات المتتابعة لتذكرنا بحقيقة بسيطة، لكنها عميقة: أن البناء لا يبدأ من القمة، بل من الأساس.
بناء الفكر قبل حشو الذاكرة.
كم من عقل امتلأ بالمعلومات، لكنه عجز عن التفكير! فالمعرفة ليست عددًا من الحقائق المحفوظة، وإنما هي القدرة على السؤال، والتحليل، والتمييز بين الصواب والخطأ. الذاكرة خزان، أما الفكر فهو البوصلة التي تهدي صاحبها إلى الطريق.
وبناء الوعي قبل صناعة القرار.
فالقرار الذي لا يسبقه وعي، قد يكون مجرد رد فعل، أو استجابة لعاطفة عابرة، أو انسياق خلف رأي شائع. أما الوعي، فهو الذي يجعل الإنسان يعرف لماذا يختار، قبل أن يختار.
وبناء القيم قبل سنّ القوانين.
القانون يحرس المجتمع، لكنه لا يصنع الضمير. قد يخشى الإنسان العقوبة، لكنه لا يصبح صالحًا إلا إذا آمن بأن الصلاح قيمة في ذاته. وما أكثر القوانين التي كُتبت، ثم عجزت عن إصلاح النفوس؛ لأن الأخلاق لا تُفرض بالنصوص، بل تُبنى بالتربية والقدوة.
وبناء الثقافة قبل جمع المعلومات.
فالمعلومات متناثرة في كل مكان، لكن الثقافة هي التي تمنحها المعنى، وتربط بينها، وتحوّلها إلى رؤية. ليس المثقف أكثر الناس حفظًا، وإنما أكثرهم فهمًا وربطًا واستيعابًا.
وبناء الحوار قبل إدارة الخلاف.
فالخلاف سنة من سنن الحياة، ولن يختفي يومًا. لكن الذي يختفي أحيانًا هو أدب الحوار. وما أحوجنا إلى أن نتعلم كيف نستمع، قبل أن نتعلم كيف نرد، وكيف نبحث عن الحقيقة، لا عن الانتصار.
وبناء التربية قبل إصلاح التعليم.
فالتعليم يملأ العقل، أما التربية فتصنع الإنسان. وقد ينجح التعليم في تخريج المتفوقين، لكنه يعجز وحده عن تخريج الأمناء، ما لم تسنده تربية تغرس الصدق، والمسؤولية، والرحمة.
وبناء الإنسان قبل بناء العمران.
فالحجارة ترتفع في سنوات، أما الإنسان فيُبنى عبر أجيال. وما قيمة مدينة براقة، إذا فقدت القلوب التي تسكنها نورها؟ إن الحضارة ليست ما نشيده من مبانٍ، بل ما نبنيه من إنسان.
وبناء المسؤولية قبل المطالبة بالحقوق.
فالحقوق لا تستقيم إلا حين يقابلها شعور بالواجب، وإلا تحولت إلى مطالب لا تنتهي، بينما تتراجع المسؤولية حتى تضيع الحقوق نفسها.
وبناء الكلمة قبل صناعة الشهرة.
فالشهرة التي تسبق القيمة سرعان ما تنطفئ، أما الكلمة الصادقة فتبقى، ولو تأخر الاعتراف بصاحبها. إن التاريخ لا يخلد أكثر الناس ظهورًا، بل أكثرهم أثرًا.
ثم تأتي الخاتمة التي تختصر كل شيء:
بناء المستقبل بزرع الأفكار، لا بملاحقة الأحداث.
فالأمم التي تقضي أعمارها في مطاردة ما يحدث، تبقى أسيرة اللحظة. أما الأمم التي تزرع فكرة، وتصنع عقلًا، وتربي إنسانًا، فهي التي تصنع ما سيحدث غدًا.
إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من القوانين، ولا من الأبنية، ولا من الشعارات، بل يبدأ من الإنسان. فإذا استقام الإنسان، استقامت الفكرة، واستقام معها القرار، ثم المجتمع، ثم المستقبل.
وهذه هي الحكمة التي يغفل عنها كثيرون: الثمار لا تُصلح نفسها، وإنما تُصلحها الجذور. فمن أراد مستقبلًا مختلفًا، فليبدأ من البداية، لا من النهاية.
تحياتي
نجوى نصر الدين




































