يوماً ما ستدرك يا وطني أن ذلك الصامت أحبك أكثر من أولئك الثرثارين
يوماً ما، حين تهدأ الضوضاء وتخفت الأصوات العالية، ستكتشف يا وطني أن أكثر من أحبك !!
لم يكن أولئك الذين ملأوا الساحات بالكلام، ولا من تزينت خطاباتهم بالشعارات، بل ذلك الصامت الذي كان يعمل في الظل، ويمنحك من عمره دون أن ينتظر تصفيقاً أو اعترافاً.
ذلك الصامت لم يكن عاجزاً عن الكلام، لكنه كان يدرك أن الأوطان لا تُبنى بالحروف بقدر ما تُبنى بالأفعال
. كان يرى أن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى إعلان يومي، بل إلى إخلاصٍ مستمر، وصبرٍ طويل، وتضحياتٍ لا تُروى.
بينما كان الآخرون يتسابقون إلى المنابر، كان هو يتسابق إلى مواقع العمل، يحمل همّك في قلبه، ويضعك في مقدمة أولوياته.
يا وطني، إن الضجيج قد يخدعك أحياناً، فيوهمك أن الحب يقاس بعلو الصوت، لكن الحقيقة أن أصدق المشاعر تسكن في القلوب الهادئة.
ذلك الذي لم يتحدث كثيراً عنك، كان يفكر فيك كثيراً، وكان يخاف عليك أكثر، وكان يراك في تفاصيل حياته اليومية، في تعبه، في اجتهاده، في أمانته.
الثرثارون يرحلون حين تتغير الظروف، وتبهت كلماتهم مع أول اختبار، أما الصامتون، فيبقون حين تحتاجهم، يثبتون حين يتراجع الآخرون، ويعطون حين يبخل الجميع. هم الذين لا يساومون على حبك، ولا يجعلون ولاءهم لك وسيلةً لمكسبٍ أو شهرة.
باختصار من هو الصامت
الصامت
هو كل من يحب بصدق دون استعراض، ويخدم دون انتظار مقابل.
وفي المقابل، “الثرثار” هو من يكثر الكلام عن الحب والانتماء، لكن فعله قليل أو مشروط
قد يكون: المعلم الذي يخلص في فصله دون ضجيج هو الصامت الذي أحب وطنه دون صخب
العامل الذي يتقن عمله،
الجندي الذي يحمي دون أن يتكلم،
أو حتى مواطن بسيط يحافظ على قيمه ويؤدي واجبه.
وغيرهم كثيرون
ستدرك يوماً، أن من كان قليل الكلام كان عميق الانتماء، وأن من لم يرفع صوته باسمك، كان يرفعك في داخله كل يوم.
ستفهم أن الحب الصادق لا يُقاس بعدد الكلمات، بل بصدق النوايا، ونقاء العمل، وثبات المواقف.
فإذا جاء ذلك اليوم، تذكر أن في صمت البعض كانت حكاية حبٍ عظيمة، لم تُكتب، لكنها عاشت في كل فعلٍ صادق، وكل موقفٍ نبيل.