بقلم نجوى نصر الدين
لم يعد السؤال ترفًا فكريًا، ولا مجرد صرخة غضب عابرة، بل أصبح توصيفًا مريرًا لواقع دولي مضطرب، تختلط فيه مفاهيم القوة بالهيمنة، وتُستبدل فيه القوانين بشريعة الغاب.
هل نحن فعلًا في عالم تحكمه المؤسسات الدولية والمواثيق الإنسانية؟ أم أننا عدنا إلى زمنٍ بدائي، حيث يفرض الأقوى إرادته بلا رادع، كما يفعل نمرٌ أجرب لا يرحم، ينهش ما حوله بدعوى البقاء؟
ما نشهده اليوم يثير القلق: دول كبرى ترفع شعارات الحرية والديمقراطية، لكنها تمارس في الخفاء — بل أحيانًا في العلن — سياسات لا تختلف كثيرًا عن عصور الإقطاع. تُستباح سيادة الدول الأضعف، وتُنهب ثرواتها، وعلى رأسها النفط، تحت ذرائع براقة مثل “مكافحة الإرهاب” أو “حماية الأمن العالمي”.
لكن المفارقة الصادمة أن بعض هذه القوى نفسها تُتهم — سياسيًا وإعلاميًا — بالمساهمة في خلق بؤر التوتر، أو على الأقل استثمارها. وكأن الإرهاب لم يعد عدوًا يُحارب، بل ورقة تُستخدم، وسوقًا يُدار، ومبررًا جاهزًا للتدخل وإعادة رسم الخرائط.
إنها لعبة مزدوجة المعايير: حين تخدم الفوضى مصالحهم، تُترك لتتفاقم، وحين تهدد توازناتهم، تُعلن الحروب باسم الإنسانيةوبين هذا وذاك، تدفع الشعوب الضعيفة الثمن: دمار، نزوح، فقر، وضياع مستقبل أجيال كاملة.
فأي نظام عالمي هذا الذي يسمح بتحويل دول إلى ساحات صراع مفتوحة؟ وأي عدالة تلك التي تُطبق بانتقائية فاضحة؟ بل أي منطق يقبل بأن يتحول “تحرير الشعوب” إلى مدخل لاستعبادها بشكل جديد؟
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس فقط الظلم، بل اعتياد العالم عليه. حين يصبح العدوان خبرًا عابرًا، والاستغلال سياسة معتادة، نكون قد دخلنا فعلًا مرحلة “الظلام السياسي”، حيث تختفي الحقيقة وسط الضجيج، ويُقتل الضمير تحت شعارات براقة.
ربما لسنا في غابة بالمعنى الحرفي، لكن كثيرًا من سلوكياتها تسللت إلى النظام الدولي. الفرق الوحيد أن الوحوش هنا ترتدي بدلات رسمية، وتتحدث بلغة الدبلوماسية، بينما تمارس نفس منطق الافتراس يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يستمر العالم في هذا الانحدار؟ أم أن هناك وعيًا قادمًا يعيد التوازن، ويضع حدًا لهيمنة “النمر الأجرب” قبل أن يلتهم كل شيء؟
تحياتي
نجوى نصر الدين


































