وكان يحكم كل العالم قوة ومعظم البلدان “لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت أبدًا. إن مدّوها أرخيتها، وإن أرخوها مددتها” بهذه الكلمات رسم معاوية بن أبي سفيان الأموي رضي الله عنه مدرسة في السياسة لم تُدرس في كتب، بل عاشتها أمة بأكملها.
من هو صاحب الشعرة ؟ هو معاوية بن أبي سفيان بن حرب الأموي ، صحابي جليل، وكاتب وحي رسول الله ﷺ، وأول من أسس الدولة الأموية. ولد قبل البعثة بخمس سنوات، وأسلم عام الفتح، وعاش في مدرستين: مدرسة النبوة، ومدرسة الخلافة الراشدة.
المحطات التي صنعت “الحليم الشديد”
١. محطة التربية في بيت النبوة كان كاتب الوحي. رأى كيف يدير النبي ﷺ دولة بقلب نبي وسيف قائد. تعلم أن الشدة بلا رحمة جفاء، وأن الرحمة بلا شدة ضياع.
٢. محطة الشام… عشرون عامًا من البناء ولاه عمر بن الخطاب على الشام سنة خمس عشرة للهجرة، ثم أقره عثمان . بقي واليًا عشرين عامًا. لم يحكمها بالسيف، بل بالعدل والعمران والبحرية. بنى الأسطول، وحصن الثغور، وجعل الشام قلعة للإسلام. هنا تعلم الصبر… فالشام كانت خليط أمم، لا تُضبط إلا بالحلم.
٣. محطة الفتنة… اختبار الشعرة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، طالب بدمه. ودخلت الأمة في صراع مع علي بن أبي طالب . هنا ظهرت الشعرة: لم يرد إراقة دماء المسلمين. قاتل سياسة لا عقيدة. وحين جاء التحكيم، قبل به حقنًا للدماء.
٤. محطة الخلافة… من الشدة إلى الجمع سنة إحدى وأربعين للهجرة، عام “الجماعة”. تنازل له الحسن بن علي عن الخلافة حقنًا لدماء المسلمين. فصار أول ملك في الإسلام. هنا جمع بين أمرين: – الحلم : عفا عن خصومه، وأمن الناس، وقال “إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني كلامي” – الشدة : أرسل الجيوش للفتح، وأخمد الثورات، وبنى دولة مركزية امتدت من الأندلس غربًا إلى حدود الصين شرقًا
٥. محطة توريث الأمر كان أول من جعل الخلافة شورى في أهل الحل والعقد، فعهد بها لابنه يزيد . انتقده كثيرون، لكنه رأى أن الفراغ السياسي أخطر من كل شيء. فاختار الاستقرار على الفوضى.
سر “شعرة معاوية” لم يكن ضعفًا. ولم يكن مكرًا مجردًا. كان فقه أولويات . كان يعرف متى يرخي ومتى يشد.
قال له رجل : “يا أمير المؤمنين، أنت بيننا كالأب الرحيم” وقال له آخر: “وأنت إذا غضبت كالأسد الهصور”
فجمع معاوية ما تفرق في غيره : دهاء عمرو، وعدل عمر، وحلم الأنبياء .
الخلاصة التي تثبت “شعرة معاوية” ليست قصة ذكاء سياسي فقط. هي قصة رجل فهم أن السياسة في الإسلام ليست مناورة، بل هي رعاية . رعاية للدين، ورعاية للدماء، ورعاية لدولة لا تسقط.
لذلك انتصر. ولذلك امتد ملك بني أمية قرابة تسعين عامًا. ولذلك ما زلنا إلى اليوم نعيد قراءة سيرته… لنخرج منها : متى نمد الشعرة ؟ ومتى نشدها ؟
“رحم الله معاوية… ما كان ليصلح لهذه الأمة في زمانه غيره”