بقلم/ نجوى نصر الدين
حين نُحبّ ما يؤذينا… لأننا دفعنا ثمنه
ثمة أوهامٌ رقيقة تسكننا دون أن نشعر، تتزيّن بثياب الوفاء، وتختبئ خلف كلمات مثل «الالتزام» و«الصبر» و«عدم الاستسلام». لكنها في حقيقتها ليست فضائل دائمًا، بل قد تكون قيدًا نفسيًا خفيًا يُدعى في علم النفس والاقتصاد السلوكي: مغالطة التكلفة الغارقة (Sunk-cost fallacy).
هذه المغالطة تقول ببساطة: نحن أحيانًا لا نتمسك بالشيء لأنه نافع، بل لأننا لا نحتمل فكرة أن ما بذلناه فيه قد ضاع.
نستمر في علاقةٍ تؤذينا لأننا «قضينا سنوات معًا».
نبقى في عملٍ يستهلك أرواحنا لأننا «تعبنا لنصل إليه».
نضخّ المال والجهد في مشروعٍ يحتضر لأننا «بدأناه بالفعل».
ندافع عن رأيٍ نعرف في قرارة أنفسنا أنه واهٍ، فقط لأننا قلناه أمام الناس.
لسنا هنا نُحسن الاختيار… بل نحاول إنقاذ الماضي من الاعتراف بأنه انتهى.
المفارقة المؤلمة أن ما أنفقناه — من وقت، أو مال، أو مشاعر — قد أصبح بالفعل «تكلفة غارقة»، أي أنه لا يمكن استرداده. والاستمرار في النزيف لا يعيد ما ضاع، بل يُضاعف الفقد. ومع ذلك، يقاوم العقل فكرة الخسارة أكثر مما يقاوم فكرة الألم. لأن الاعتراف بالخطأ يتطلب شجاعة، بينما الاستمرار الأعمى يمنحنا وهم الثبات.
في جوهر هذه المغالطة درسٌ أخلاقي هادئ:
الماضي لا يُصلَح بالإصرار، بل بالمراجعة.
ما بذلناه سابقًا لا يُستعاد بالمكابرة، بل يُستثمر بالحكمة التي نتعلمها منه. فالنضج ليس أن نُكمل الطريق لأننا بدأناه، بل أن نمتلك الجرأة لنقول: «هذا الطريق لم يعد لي».
نحن لا نخون سنواتنا حين نغادر علاقة مؤذية، بل نحمي ما تبقى من أعمارنا.
لا نهدم كرامتنا حين نُغير رأيًا، بل نُعلن وفاءنا للحقيقة.
لا نُهدر تعبنا حين ننسحب من مشروع فاشل، بل نمنع خسارة جديدة تُضاف إلى القديمة.
الشجاعة الحقيقية ليست في تحمّل الخسارة الماضية، بل في منع خسارة قادمة.
كم من الناس يخلطون بين الصبر والتشبّث، وبين الوفاء والخوف، وبين الثبات والعناد. لكن الحياة ليست اختبارًا لمدى قدرتنا على التحمّل، بل لمدى قدرتنا على التمييز. أحيانًا يكون الانسحاب موقفًا أخلاقيًا، والتراجع خطوةً إلى الأمام، والاعتراف بالخطأ شكلًا من أشكال القوة.
حين نسمح لأنفسنا أن نغادر ما لم يعد صالحًا لنا، لا نكون قد أضعنا ما مضى. بل أنقذنا ما بقي.
وهذا… أزهى للنفس، وأصدق مع العمر، وأقرب إلى الحكمة التي تليق بإنسانٍ يتعلم كل يوم كيف يعيش لا كيف يُكابر.
تحياتي
نجوى نصر الدين



































