كتب داليا فوزى
العيد.. حكاية تلونها الفرحة من “نقش الحجر” إلى نقش الكعك.
العيد ليس مجرد تاريخ في التقويم ، بل هو حالة وجدانية تتوارثها الأجيال .
بدأت قصة العيد في مصر والمنطقة العربية كطقس يمزج بين القداسة الدينية والبهجة الشعبية ، وتطورت تفاصيله عبر العصور لتشكل هويتنا الحالية .
بدأت الفكره من أهم أعياد الفراعنة
لم يكن العيد غريباً على أجدادنا ؛ فقد كان المصري القديم يقدس البهجة والفرحة والإحتفالات . كانت أعيادهم مرتبطة بالنيل والزراعة (مثل عيد “شم النسيم” و”الوفاء”).
الكعك الفرعوني بدأ ببذور “كحك العيد”
من هنا، بدأ صناعة المخبوزات على شكل دائري تُنقش عليها الرموز المقدسة وتُقدم في الأعياد و الجنائزية والاحتفالات الكبرى، لتنتقل هذه العادة لاحقاً إلى العصور الإسلامية.
و العصر الفاطمي “عيد الكعك” والزينة
يعتبر فى العصر الفاطمي هو “العصر الذهبي” لرسم ملامح العيد التي نعرفها اليوم في مصر والشام .
بدأ الفاطميون ينشئون مؤسسة كاملة لصناعة كعك العيد وتوزيعه على الشعب ، وكان الخليفة الفاطمى يخرج في موكب مهيب مرتدياً ملابس العيد الفاخرة .
ثم لُقب عيد الفطر بـاللقب الشعبى “عيد الكحك” وعيد الأضحى بـ “عيد اللحم” ، ومن هنا ترسخت الروابط بين المناسبة الدينية ونوع الطعام المقدم فيها .
ثم ظهر فى العصر المملوكي والعثماني : المدفع والعيدية. و في هذه العصور ، ظهرت تقاليد رسمية لا تزال حية إلى الآن.
انطلق لأول مرة مدفع العيد من قلعة صلاح الدين ليُعلم الناس بموعد الإفطار أو العيد .
العيدية بدأت كمبلغ مالي تُصرف للعساكر والموظفين ، ثم تحولت بمرور الوقت إلى عادة اجتماعية يمنحها الكبار للصغار لنشر الفرحة .
وفى العصر الحديث الراديو والتلفزيون واللمة الحلوة. وبعد مرور العصور وتحديدا
مع دخول القرن العشرين ، تغيرت أدوات الاحتفال لكن الروح ظلت واحدة
أغاني العيد أصبحت أغنية “يا ليلة العيد” لكوكب الشرق أم كلثوم هي “البيان الرسمي” لبداية الاحتفال . والعيد فرحة الفنانة صفاء ابو السعود للأطفال.
و من أهم الاحتفالات صلاة العيد التي تجمع الملايين في الساحات ، تليها زيارات الأهل و”لمة” العائلة حول طبلية واحدة.
السينما المصرية والمسرح : أصبحت العادة لمشاهدة مسرحية “العيال كبرت” أو “مدرسة المشاغبين” طقساً لا يكتمل العيد بدونه.
الآن.، العيد في عصر الرقمنة اليوم ، وهو حقبة تاريخية بدأت فى الربع الأخير من القرن العشرين وفيها نعيش وجهاً جديداً للعيد . وهى العيدية الإلكترونية. بدأت المحافظ الإلكترونية والتطبيقات البنكية تحل محل “الورق الجديد” في بعض الأحيان . وأصبحت المعايدة الافتراضية عبارة عن الرسائل الورقية التى تحولت إلى “ستوري” وصور وفيديوهات قصيرة تجمع القلوب عبر المسافات.
أصبح صُناع المحتوى والإعلاميون هم من يرسمون خريطة البهجة من خلال برامجهم وتغطياتهم المباشرة لطقوس الناس في الشوارع .
رغم تغير الزمن من نقش الحجر في المعابد إلى كتابة المنشورات على فيسبوك ، يظل العيد هو “المحطة” التي نتوقف فيها لبناء تجديد العلاقات والترابط العائلى . يظل الكعك هو البطل ، وتظل كلمة “تسلم إيدك” هي أجمل ما يُقال لصانعي البهجة في بيوتنا.
تسلم إيدك من اجمل العبارات التشجيعية
ومع مرور الزمن، لم يندثر هذا الفن بل انتقل من قداسة الحجر إلى دفء البيوت ، يتجلى في العصور الإسلامية وتحديداً في عهد الفاطميين الذين جعلوا من “الكعك المنقوش” لغة رسمية للاحتفال بأتمام الصيام. إن السر في بقاء الكعك صامداً أمام تقلبات الزمن يكمن في ذلك “المنقاش” المعدني البسيط ، الذي لم يكن يوماً مجرد أداة زينة، بل هو جسر يربطنا بهويتنا؛ فكل نقشة دقيقة على قطعة كعك صغيرة هي صدى لنقوش المعابد القديمة ، وكل “لمة” تجتمع فيها النساء للنقش والغناء هي امتداد لطقوس مصرية . وحين تفوح رائحة السمن البلدي و”المحلب” من الأفران، تنطلق عبارة “تسلم إيدك” كترنيمة شكر لصانعة البهجة ، ندرك أننا لا نتناول مجرد حلوى ، بل نتذوق تاريخاً حياً ونحن نوثق هذه اللحظات بشاشات هواتفنا ونشارك صور الكعك عبر العالم ، نحن في الحقيقة نكمل كتابة البردية المصرية بأسلوب عصري ، مؤكدين أن اليد التي صنعت الحضارة تستحق كلمة ” تسلم ايدك ” لا يزال العالم قادر على نقش الفرحة ، وأن المسافة بين “نقش المعبد” و”نقش الكعك” ليست سنوات ، بل هي نبض قلب مصري واحد لم يتوقف عن العطاء والإبداع .


































