بقلم: نجوى نصر الدين
ليست كل الحروب تُعلن،
ولا كل الهزائم تأتي من الخارج.
ثمة وهم مريح نلجأ إليه كلما ضاقت بنا الأسئلة:
أن هناك من يخطط لنا، ويتآمر علينا، ويكتب مصيرنا في غرف مغلقة…
فنرتاح، لأننا لم نعد مضطرين لمواجهة الحقيقة الأصعب:
أن الخلل قد يكون فينا.
نصوص كثيرة تتحدث عن “خطط” لتفكيك المجتمعات،
تدمير القيم، ضرب الأسرة، تشويه الدين،
وتُقدَّم لنا في هيئة وثائق سرية أو اعترافات خطيرة…
نقرأها فنغضب، ثم نطمئن—
وكأن مجرد كشف المؤامرة هو انتصار.
لكن، ماذا لو لم تكن المشكلة في “وجود خطة”…
بل في قابليتنا لأن نكون جزءًا منها دون أن ندري؟
حين يضعف الوعي، لا يحتاج أحد إلى أن يخترقك…
أنت تفتح الباب بنفسك.
حين تتحول القيم إلى شعارات تُقال ولا تُعاش،
لا تحتاج إلى من يهدمها…
هي تسقط من الداخل بهدوء.
وحين يصبح الدين عادة اجتماعية لا تجربة روحية،
فإن أخطر ما يهدده ليس الهجوم عليه…
بل الفراغ الذي يتسلل إليه.
ليست التكنولوجيا عدوًا،
لكنها تصبح كذلك حين نستخدمها لنُسطّح عقولنا، لا لنُنمّيها.
وليست الثقافات الأخرى خطرًا،
لكن الخطر يبدأ حين نفقد القدرة على التمييز بين الانفتاح والذوبان.
إن تفكيك الأسرة لا يبدأ بقرار خارجي،
بل يبدأ حين يغيب الحوار داخل البيت،
وحين تُستبدل القيم بالرقابة،
والثقة بالخوف.
وإضعاف المجتمعات لا يحتاج دائمًا إلى هجوم مباشر،
يكفي أن تُزرع فيها الفردانية المفرطة،
حيث يصبح “أنا” أعلى من “نحن”،
وتُقاس الحياة بما نأخذ… لا بما نمنح.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس:
من يستهدفنا؟
بل:
هل نملك مناعة فكرية تجعل استهدافنا أمرًا مستحيلًا؟
ليس الوعي أن تصدّق كل ما يُقال عن المؤامرات،
بل أن تفهم كيف تعمل المجتمعات، وكيف تنهض، وكيف تنهار.
وليس الانتصار أن تلعن الظلام،
بل أن تدرك أين انطفأ الضوء في داخلك… وتعيد إشعاله.
ربما هناك من يخطط، وربما لا.
لكن المؤكد—والمخيف—
أن الأمم لا تُهزم حين يُهاجمها الآخرون،
بل حين تفقد قدرتها على أن تكون نفسها.
لهذا، لا تخف كثيرًا مما يُقال إنه يُحاك لك…
خف فقط من ذلك الشيء الصغير، الصامت، الذي يحدث فيك—
حين تتخلى، تدريجيًا،
عن وعيك…
ثم عن ذاتك…
دون أن تشعر.
تحياتي
نجوى نصر الدين


































