الكتابة عن شخصية كالشيخ سيد توفيق – يرحمه الله – ليست سهلةً ولا بسيطة، فالرجل كان (مَدرَسةً) في الدّين والأخلاق والعلاقات الإنسانية المتشعّبة، وقد سبّب رحيله المفاجئ في ديسمبر الماضي صدمةً كبيرةً لمُحبيه ومريديه، حتى أن أحدهم أطلق على مرتادي مسجده بالسنابسة “يتامَى الشيخ سيد”! *** وُلد الشيخ سيد توفيق دردير حسين بناحية السنابسة في 14 يوليو 1957، وهو ينتمي لعائلة الكيلانية. حفظ منذ صغره معظم أجزاء القرآن الكريم، وعقب حصوله على الثانوية العامة، عُيّن موظفاً بوزارة الأوقاف، وكان خطيباً للمسجد الكبير بناحية البهايجة في الوقف لسنوات… سافر إلى قطر عام 1987، ليعمل خطيباً بمسجد أهليّ بها، ومن ثم التحق خطيباً بوزارة الأوقاف هناك، وذلك حتى عام 2011، حيث عاد إلى مصر بعد ثورة يناير بقليل. عمل (الشاب المتفتّح) سيّد على تثقيف نفسِه بنفسه، فكانت له قراءات متعددة؛ دينية وثقافية وأدبية، مما جعلهُ خطيباً مُفوّهاً، لا يكاد يجاريه أحد… وفي دولة قطر، تأثَّر بالشيخين الراحلين محمد الغزالي ويوسف القرضاوي، يرحمهما الله، كما تأثّرت صحته تدريجياً، فعاد إلى مصر مصاباً بالضغط والسُّكري، وبتعب في عضلة القلب.. عقب استقراره في مصر، أقام مسجداً على أرض يملكها قُبالةَ مستشفى الوقف المركزي، سمّاه مسجد “أبوبكر الصديق”، وظل خطيباً به حتى رحيله، وكان خطيباً مُفوّهاً جسوراً، يصدحُ بالحق، ويحُثّ على الفضائل، ويقوّم الاعوجاج، وكلّ ذلك بأسلوب راقٍ سلس ممتع في آن، حتى أن طفلاً في السابعة من عمره يستوعب خطبة الشيخ ويدرك مضامينها. حَبا الله الرجلَ بالقبول لدى كل مَن يتعامل معه، حيث كان يبذلُ للجميع النصيحة المخلصة، ويشجّع الشباب الناجح والطموح، كما كان يتمتع بكَرَم حاتميّ، فيقيم في بيته الولائم والعزومات المتعددة في مختلف المناسبات. *** كان الشيخ سيّد من الشخصيات الفاعلة والمؤثرة للغاية في مركز الوقف، حيث ترأس الجمعية الشرعية به منذ إنشائها، وكان عضو لجنة المصالحات على مستوى المركز، ونظراً لبلاغته وما يتمتع به من حكمة وقبول، فقد كان رأيه دوماً هو الفيصل، وذلك ضمن لجنة “الحُكَماء”، التي عملت على وأد الفتنة أيام ثورة يناير وما بعدها. وفضلاً عن دوره المميز في الإصلاح بين المتخاصمين، فقد كان له باع طويل في كفالة الأيتام ورعايتهم، ومساعدة المعسرين على الزواج، وليس سرّاً أنه كان يخصص راتباً شهرياً لبعض الأسر المتعففة، فضلاً عن “خبايا السرّ”، التي لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى. *** على المستوى السياسي، ترشّح الرجل لعضوية مجلس الشعب عقب ثورة يناير، على قوائم حزب النور، لخدمة أهالي الدائرة، ولمّا لم يحالفه التوفيق، اعتزل السياسةَ تماماً، متفرغاً للدعوة والخطابة والمصالحات. أما على المستوى الاجتماعي، ففضلاً عمّا سبق، كان لأسلوبه الشيّق والممتع؛ سواء في الخطابة أو التعامل العادي مع الناس، دور وأثرٌ كبير في محبّتهم له، وثقتهم به، حيث يتقنُ التعاملَ مع الجميع على اختلاف أعمارهم ومشاربهم وثقافاتهم، وكان دوماً، نِعمَ الناصح الأمين.
علاقته بالدكتور عمرو جمعة
في زيارتي اليتيمة للشيخ سيد (خلال أكتوبر 2024)، ذكر أنه لم يدخل في القلمينا سوى بيتين؛ بيت العمدة صلاح (يرحمه الله)، الذي استمرت علاقته بأبنائه بعد رحيله عام 2021؛ وبيت الدكتور عمرو علي جمعة Amr Ali Gomaa . وفي لقاء مع د. عمرو، كشف لي عن بداية العلاقة مع الشيخ سيد، وعن سرّ هذه (الخصوصية) التي حَظيَ بها، فقال إن لقاءه الأول بالشيخ كان عام 2016 تقريباً عند العمدة صلاح (يرحمه الله)، لكنّ مساحة التواصل ازدادت وتعمّقت منذ 2020، وعلى قِصَر تلك الفترة (4 سنوات)، فإنها كانت حافلة بالأحداث والخبايا والمفارقات. ومما قاله الشيخ سيد للدكتور عمرو، (وهو بمنزلة ابنه)، إن علاقته به سببها أنه – أي د. عمرو – على صِلةِ بالله، وكان التقارب على مستوى العائلة لنفس السبب، ناصحاً إياه “لا تُغضب الله، فتترك خدشاً في علاقتي بك”. ومن دلائل خصوصية تلك العلاقة بينهما أن الشيخ سيد كان لا يستقبل أحداً في بيته يوم الخميس (الذي يُعدّ فيه خطبةَ الجمعة) باستثناء د. عمرو، حيث قال له نَصّاً “بيتي مفتوح لك في أيّ وقت”. وقد ذكر لي الشيخ سيد – يرحمه الله – أن د. عمرو أصرّ على مرافقته في إحدى المتابعات العلاجية بالقاهرة، وذلك رغم ضغوط عمله الحكومي وقتها. *** كان العمدة صلاح (يرحمه الله)، من أبرز أصدقاء الشيخ سيّد، المقربين، ومن ثم استمرت حبال المودّة موصولةً مع أبنائه الكرام، ومنهم أيضاً الأساتذة فتحي معدّاوي، وإبراهيم حسن أفندي، وسعد حفني، وقدري علي أحمد، ود. أحمد منصور، فضلاً عن د. عمرو علي جمعة. أكرم الله الشيخ الراحل بخمسة من الأبناء؛ عبدالرحمن (أكبرهم)، ثم محمد (ب. تجارة)، وخالد (دبلوم)، وعدنان (معهد فني صحي سوهاج)، وأخيراً مريم (ثانوية عامة). *** قبل وفاته بأيام، عاتب الشيخ سيد أحدَ أصدقائه المقربين “كام مرة تقول لي حاجيلك؟ انت يَعني مستنّي تِمشي في جنازتي؟”، وقد حدث بالفعل، حيث انهار هذا الصديق باكياً بحُرقةٍ في جنازة صديقه، الذي لم يسمح القدر له بأن يزوره، كما وَعَد! في الليلة الأخيرة له، (11 ديسمبر) التقى الشيخ سيّد صديقه الشاب د. عمرو، وتبادلا حديثاً مطولاً، وقال له في نهاية اللقاء “نتقابل بإذن الله إن كان لنا عُمْر”! لكنّ إرادة الله كانت الغالِبة، فقبل ظهر يوم 12/ 12 الماضي، فاضت روح الشيخ الجليل إلى بارئها عن 68 عاماً، قضى جُلّها في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والإصلاح بين الناس، وفعل الخيرات، وصلةِ الأرحام، والصيامِ والقيام، وكانت جنازته مهيبةً، شارك فيها الآلاف من مركز الوقف وقراه، مشيعين رجلاً يقاس في أمّته بـ “ألفِ” رَجُل.