على محمد الشرفاء يكتب من هو المسلم الذي أراده الله
لدى الناس مصطلح قديم وحاضر ومستمر في وصف بعض الناس بالمسلمين فما هي شروط المسلم الذي أراده الله أن يستخلفه في الأرض ويحمل الأمانة التي عرضها الله على السماوات والأرض وأشفقن منها وحملها الإنسان ما حجم الأمانة وخطورتها التي أبت السماوات والأرض أن يحملنها هل هي مسؤولية الاستخلاف في الأرض وتطبيق شريعة الله فيها من رحمة وعدل وإحسان ونشر السلام والإنفاق في سبيل الله وحماية حقوق الإنسان واحترام قراراته في عقائده وتحرير إرادته وقراره ليكون بنفسه يتحمل مسؤوليته ويواجه محصلة قراراته هل يستطيع الإنسان أن يكون عادلا حتى على نفسه ليقتص منها لصالح من ظلمه وهل يستطيع أن يرحم ويسامح من اعتدى عليه وهل يستطيع أن يدفع بالحسنة مقابل السيئة وهل لديه القدرة على كظم غيظه ويواجه الكلمة النابية بالكلمة الطيبة وهل يستطيع أن يلتزم بالابتعاد عن المحرمات ويطيع الله في كل ما نهى عنه من السيئات وهل يستطيع الإنسان أن يوفي بعهده مع الله في كل الأوقات ولا يغريه الشيطان بارتكاب المعاصي والذنوب إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكون بآراء البشر وإنما بكتاب الله وحده لأنه كتاب الهداية والعهد الذي أنزله الله ليبين للناس الطريق المستقيم يقول سبحانه ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا﴾ فالأمانة التي حملها الإنسان هي مسؤولية الاختيار بين الطاعة والمعصية والالتزام بمنهج الله وتحمل نتائج هذا الاختيار أمام الله يوم القيامة ولذلك كان الإنسان هو المخلوق المكلف الذي سيحاسب على كل قول وعمل ثم يبين الله حقيقة مهمة الإنسان فيقول ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾ فالاستخلاف ليس تشريفا مجردا ولا سلطة على الناس وإنما تكليف بإقامة العدل والرحمة والإصلاح في الأرض وفق أوامر الله لأن الأرض لله والإنسان مستخلف فيها وليس مالكا لها ويضع الله الميزان الحقيقي للتفاضل بين الناس بقوله ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ فلا قيمة للأسماء ولا للألقاب ولا للانتماءات إذا خلت من التقوى والعمل بآيات الله ويأمر الله عباده بقوله ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي﴾ فالعدل فريضة مع الجميع والإحسان مرتبة أعلى من العدل لأنه يقوم على العفو والرحمة وبذل الخير ويقول سبحانه ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ فحتى مع الخصومة والاختلاف يبقى العدل فريضة لا يجوز التفريط فيها ويقول سبحانه ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾ ويقول ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾ ويقول ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ فهذه الصفات ليست فضائل اختيارية وإنما هي من حقيقة الإسلام الذي أراده الله لعباده ويؤكد الله أهمية الوفاء بالعهد فيقول ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾ ويقول ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا﴾ وأعظم عهد بين الإنسان وربه هو الإيمان بآياته والعمل بها وعدم تقديم أي قول عليها ولذلك جاء البيان الإلهي الحاسم في قوله تعالى ﴿يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين﴾ فجعل الله الإيمان بآياته والعمل بها الشرط الذي يسبق وصف الإنسان بأنه مسلم ولم يجعل الإسلام مجرد كلمة ينطق بها اللسان وإنما استسلاما لله بطاعة آياته ولذلك قال سبحانه ﴿ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن﴾ وقال ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ فالإسلام في القرآن هو الالتزام الكامل بمنهج الله والإيمان بآياته والعمل بها في كل شؤون الحياة فإذا نظرنا إلى واقع الأمة اليوم وما فيه من انقسامات وصراعات وعداوات وقتل وتكفير فإن القرآن يضع الميزان العادل للحكم على هذه الأعمال فيقول ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾ ويقول ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ ويقول ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء﴾ فهذه الآيات تؤكد أن التفرق والاقتتال والتعصب ليست من الإسلام الذي أنزله الله وإنما الإسلام هو الاعتصام بكتابه والاجتماع على هديه والالتزام بأوامره ونواهيه ولذلك فإن المسلم الحق ليس من اكتفى بالنطق بالشهادتين وإنما هو من آمن بآيات الله وجعلها مرجعه في عقيدته وعبادته وأخلاقه ومعاملاته ووفى بعهده مع ربه حتى يأتيه الأجل فيكون من الذين وعدهم الله بقوله ﴿يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين﴾ وقوله ﴿فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾ ثم يكون جزاؤه عند ربه جنات النعيم ورضوان الله الأكبر وذلك هو الفوز العظيم.
كما يشُترط كذلك إيمانه بشرع الله ومنهاجه ويعاهد الله على أن يلتزم بعهده مع الله تنفيذا لقول الله سبحانه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ۚ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ البقرة: 285 وهنا يأتي السمع والطاعة لأوامر الله وتطبيق تشريعاته واتباع منهاجه في المعاملات مع الناس جميعا والابتعاد عن نواهيه ليتحقق بذلك الإيمان الصادق دون أن يحيد الإنسان عنه ذرة في عبادته وتصرفاته وسلوكياته، كما كان الرسول محمد عليه السلام يترجم إيمانه بعبادته وسلوكه وتعامله مع الناس بتطبيق صفات المؤمنين كلها التي وردت في الآيات القرآنية، بالسمع والطاعة المخلصة لرب العالمين. ومن أجل صلاح الإنسان ليكون مسلما ملتزما بعهده مع الله، أمر الله رسوله بأن يدعو الناس أن يخاطبهم بقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ آل عمران: 31 وهنا تكمن المفارقة، ويحكم الله بهذه المعادلة، وتتبين مصداقية المؤمن المسلم بين طرفي الميزان، ويجعل الإنسان بين موقف محبة الله وبين التمرد على الله، فإن كان صادقا في حبه لله سمعا وطاعة، فالله سيحب عبده المؤمن إذا اتبع ما بلغه الرسول من كتابه الحكيم، ومن لم يتبع الرسول ويتكبر على آياته يتحول إلى عدو لله. وهنا يكمن قرار الإنسان دون إكراه، فهل يرغب أن يحبه الله ويغفر له ذنوبه ويحيا حياة طيبة، وفي الآخرة جنات النعيم، أم يعيش في الدنيا في معاناة وشقاء وتعاسة، ثم في الآخرة نار الجحيم. فيا أيها الإنسان ارجع إلى عقلك وتدبر آيات ربك وتبين مقاصدها لتحفظ حياتك وتحمي حقك في السعادة والرضا في الدنيا، وفي الآخرة تفوز بجائزة الجنة.
فالله سبحانه عرف لك طريق السعادة والجنة، وطريق الشقاء والنار، ومنحك حق الاختيار الحر المطلق دون إكراه، كما بين الله سبحانه للناس في قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ الشمس: 7-8 فاختر ما شئت، وتقبل نتيجة ما اخترت، وما ربك بظلام للعبيد.
وهكذا يضع القرآن الميزان الذي لا يختل ولا يتبدل في تعريف المسلم الذي أراده الله فلا يكون الإسلام اسما يورث ولا شعارا يرفع ولا طقوسا تؤدى بمعزل عن السلوك وإنما هو عهد بين العبد وربه يقوم على الإيمان بآيات الله والسمع والطاعة لأوامره والوفاء بميثاقه وإقامة العدل والإحسان والرحمة بين الناس فمن جعل القرآن إمامه ومنهاج حياته واستقام على هديه كان من المسلمين الذين رضي الله عنهم ووعدهم بالأمن في الدنيا والفوز في الآخرة ومن أعرض عن هدى الله واتبع الأهواء فقد اختار طريقا آخر يتحمل وحده تبعاته يوم يقف بين يدي ربه فلا ينفعه اسم ولا نسب ولا ادعاء وإنما ينفعه قلب مؤمن وعمل صالح ووفاء بعهد الله وذلك هو الإسلام الذي أراده الله وذلك هو الفوز العظيم.