ما إن أعلنت مدرسة الشهيد حسني عبادي الثانوية بالوقف عن تكريم أحد أبرز أبنائها ومعلّميها، حتى امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بكلمات المحبة والثناء، احتفاءً بالأستاذ محمد السيّد؛ ذلك المعلّم الذي أمضى نحو ثمانية وثلاثين عامًا في خدمة رسالته، فكان مثالًا للتفاني والإخلاص، ورمزًا للعطاء الهادئ الذي يترك أثره في النفوس قبل السجلات. وعلى امتداد هذه السنوات، استطاع أن يحجز مكانه في قلوب طلابه وزملائه ورؤسائه، وأن يدوّن اسمه بين أولئك الذين يخلّدهم العمل الصادق والإخلاص النبيل.
*** وُلد الأستاذ محمد السيد علي عبدالله سند بناحية السنابسة، بمركز الوقف، في التاسع من يونيو عام 1966، وهو ابن عم الأستاذ أحمد سند. وبعد حصوله على الثانوية العامة، التحق بكلية الآداب بالمنيا، بعدما حالت درجاته دون تحقيق رغبته الأولى في الالتحاق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية؛ غير أن ذلك كان، في نظر كثيرين، من حُسن حظّ الأجيال التي تشرّفت بالتعلم على يديه. اختار الشاب الطموح دراسة اللغة الفرنسية، مدفوعًا بشغفه بها وتأثره بأستاذيه الفاضلين: الأستاذ حسن الكاشف، يرحمه الله، والأستاذ عبدالعليم الزير، بارك الله في عمره. ولم يكن هذا الشغف وليد الجامعة وحدها، بل جاء امتدادًا لرحلة تعليمية ثرية حظي خلالها بمعلمين تركوا في نفسه أعمق الأثر. ففي المرحلة الابتدائية، ظل يذكر بكل عرفان أساتذته: جودة علي جودة، ومحمد فاوي علي، وعبدالعاطي توفيق، ومحمد علي شابون. وفي المرحلة الإعدادية، احتفظ بامتنان خاص للأساتذة خلف الله مرزوق، الذي كان يدرّس اللغة العربية كما ينبغي أن تُدرَّس، ومحمد عبداللطيف زيدان (المسيو)، وأستاذ الأساتذة الشيخ محمد زيدان، إلى جانب عبقري الرياضيات الأستاذ ناجي فؤاد. أما في المرحلة الثانوية، فقد وجد في الأستاذ عبدالحميد عبداللطيف الكشحي، رحمه الله، والشيخ حلمي محمود إبراهيم، نموذجين مضيئين للإخلاص والعطاء في خدمة لغة القرآن. كما لا ينسى أثر العمدة صلاح، رحمه الله، الذي عرفه أولًا معلمًا قديرًا قبل أن يتولى العمودية، ولا أستاذ الأجيال الراحل خيري محمد إسماعيل، اللذين تركا بصمات واضحة في تكوين شخصيته المهنية والإنسانية.
*** بعيدًا عن أجواء الدراسة والتعليم، مارس الأستاذ محمد السيد كرة القدم في شبابه قبل أن يعتزلها، غير أنه ظل وفيًّا لهواية أخرى رافقته طوال حياته، وهي القراءة والاطلاع، ولا سيما في الشعر العربي، كما تأثر كثيرًا بكتاب “رياض الصالحين”، الذي كان له أثر واضح في تكوينه الفكري والأخلاقي. ويشهد كثير من طلابه بأن أحداً لم يسمعه يومًا، طوال سنوات عمله، يتلفظ بكلمة غير لائقة، سواء في محيط العمل أو أمام طلابه، الذين كان يتعامل معهم بروح الأب الحاني، والصديق المخلص، قبل أن يكون المعلّم المربي. ولم يكن دوره مقتصرًا على تدريس اللغة الفرنسية فحسب، بل تجاوز ذلك إلى النصح والإرشاد ومساندة طلابه في مختلف مراحلهم الدراسية. فكم قدّم من معلومة نافعة، وكم أسدى من نصيحة مخلصة، وكم ساعد أبناءه الطلاب في إجراءات التنسيق الجامعي واختيار المسارات المناسبة لهم. كما اضطلع بأدوار تنظيمية عديدة داخل المدرسة، من إعداد الجداول الدراسية إلى تنظيم الإشراف، حتى استحق عن جدارة أن يوصف بأنه “دينامو المدرسة” ومحركها الدائم.
*** ورغم إيمانه العميق بأن التدريس رسالة الأنبياء وأشرف المهن، فإنه لم ينصح أبناءه باختيار هذا الطريق، إذ يرى أن مهنة التعليم أصبحت في زمننا الحاضر “مهنة معاناة” أكثر من أي وقت مضى. وعلى المستوى الإنساني، يكنّ الأستاذ محمد السيد تقديرًا خاصًا لزميله ورفيق دربه الأستاذ نورالدين سليمان، الذي يصفه بأنه الأخ الذي لم تلده أمه، ونعم الزميل والصديق والأخ. ومن بين طلابه الذين يعتز بهم: الدكتور أيمن روماني، ورزيقي نصحي، والدكتور علاء حجاج، ومحمود أحمد سند.
*** أما على المستوى الأسرى، فقد كان الرجل ولا يزال الأخ الأكبر وبمنزلة الأب لإخوته الكرام؛ الأستاذ رجب (كبير معلمين للغة الإنجليزية بمدرسة الشهيد حسني عبادي)، والأستاذ عبدالشافي (مدير إدارة الشباب بالوقف)، والأخت أم أحمد جمال (كبيرة معلمين ابتدائي). وفي مسيرة النجاح هذه، لا يغفل الأستاذ القدير فضل شريكة حياته، التي كانت سندًا حقيقيًا له طوال سنوات العمل والعطاء، ووقفت إلى جواره داعمةً ومساندةً في مختلف المراحل. وقد رزقه الله منها أبناءً وبنات يبعثون على الفخر؛ فمحمود (طبيب بالوحدة الصحية بالقلمينا)، وأمنية (طبيبة امتياز بقنا وزوجة النقيب شرطة محمد سمير)، وضُحى (طالبة بالفرقة الثالثة بكلية الطب البيطري بقنا)، وميّ (الطالبة المثالية بالصف الثالث الإعدادي والمنافسة على مستوى الجمهورية في فن الإلقاء الشعري)، أما عمر (بالصف الرابع الابتدائي) فهو موسوعة صغيرة في الرياضة والرياضيات. وهكذا تمضي سيرة الأستاذ محمد السيد سند؛ لتكون سيرة معلّم أصيل، وابن بلدٍ وفيّ، آمن برسالته فوهبها عمره وجهده، فبادلته الأجيال حبًا واحترامًا وذكرًا طيبًا. نسأل الله أن يبارك في عمره، وأن يمدّه بالصحة والعافية، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدّم من علمٍ وتربيةٍ وعطاء، متعه الله بالصحة والعافية وطول العمر، وندعو الله ان يحفظه ويرعاه ويبارك له في صحته واولاده.