ليس في قريتنا الطيبة من يختلف على أن الأستاذ أحمد فاوي لبيق نال من اسمه أوفر الحظ والنصيب؛ فهو إلى جانب مكانته التربوية المرموقة معلّماً وموجهاً وإدارياً ناجحاً، يمتلك لباقةً آسرةً وحضوراً مميزاً يجعلانه محطَّ تقدير كل من عرفه أو استمع إليه. وما إن يمسك الميكروفون في مناسبة عامة حتى تتجلّى قدرته الفريدة على ترتيب الأفكار، وانتقاء الكلمات، وصياغة الحديث في صورة تجمع بين الفصاحة والإقناع، فتستدعي الإعجاب وتأسر الأسماع.
وفي مثل هذا اليوم من عام 1965 أبصر الأستاذ أحمد فاوي لبيق عمر، النورَ، ليكمل اليوم عامه الحادي والستين بالتمام والكمال، بعد رحلة حافلة بالعطاء العلمي والتربوي والاجتماعي، لا تزال قائمة وممتدة. ومنذ سنواته الأولى بدت ملامح شخصيته الاستثنائية في التشكُّل؛ فقد شُغف بالأحداث السياسية، واعتاد أن يقرأ الصحف لجدّه، وحفظ عواصم الدول وهو لا يزال في مقتبل العمر، حتى غدا نهماً للمعرفة والمعلومات العامة. كما تأثر في المرحلة الابتدائية بمعلم اللغة العربية الأستاذ إبراهيم عبدالراضي – رحمه الله – الذي كان له أثر بارز في صقل شخصيته وتنمية ملكاته اللغوية، وهو ما انعكس لاحقاً في سنوات الجامعة، حيث أصبح نجماً لامعاً في تقديم حفلاتها وإدارة فعالياتها. *** تلقى تعليمه الأساسي بمدارس القلمينا، ثم حصل على الثانوية العامة من مدرسة الوقف الثانوية (حسني عبّادي حالياً). وكان يحلم بدراسة الحقوق ليصبح محامياً لا يُشق له غبار، إلا أن والده – رحمه الله – رأى له طريقاً آخر، فالتحق بكلية الآداب بسوهاج (التابعة آنذاك لجامعة أسيوط)، وحصل منها عام 1987 على ليسانس الآداب في التاريخ والدراسات الإفريقية. ولم يكن حصوله على الليسانس نهاية رحلته العلمية، بل بداية مرحلة جديدة من الاجتهاد والتحصيل؛ فقد واصل النهل من ينابيع المعرفة، فحصل على 5 مؤهلات علمية من 4 جامعات مختلفة؛ بدأها بدبلوم معهد الدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة، ثم دبلوم معهد الدراسات الإسلامية بالجامعة نفسها، أعقبه بدبلوم معهد الإحصاء بجامعة الإسكندرية، ثم الدبلوم العام في التربية بجامعة أسيوط، قبل أن يختتم مسيرته الأكاديمية بالحصول على “تمهيدي الماجستير” في التاريخ الحديث والمعاصر من كلية الآداب بقنا، جامعة جنوب الوادي. أما رحلته المهنية، فقد بدأت بتعيينه معلماً بمدرسة الوقف الإعدادية، ومع إنشاء مدرسة القلمينا الإعدادية (مطلع تسعينيات القرن الماضي) انتقل إليها، ليصبح أحد أهم ركائز العطاء بها لسنوات طويلة، ثم كان من الطاقم المؤسس لفصول القلمينا الثانوية بعد ترقيته إلى معلّم أول ثانوي، وظل بها حتى تحولت إلى مدرسة العمدة صلاح الثانوية، التي تولى إدارتها لفترة وجيزة. من أبرز تلاميذه الدكاترة محمد عمر لبيق، ومحمود ناجح صدّيق، والإعلامي منصور كامل، والمهندسَين محمود علي عبدالباري، وأكرم عبدالرحمن البرش، وكوثر سمهودي، والنقيب محمد سمير (المراشدة).
*** انتقل “أبو مهند” بعد ذلك إلى مرحلة جديدة من العطاء التربوي، حيث شغل وظيفة موجّه أول لمادتَي التاريخ والجغرافيا بإدارة الوقف التعليمية، مع الإشراف على إدارة دشنا التعليمية أيضاً، حتى بلوغه سن التقاعد عام 2025. غير أن خبرته الطويلة لم تغادر الميدان، فعاد بعد فترة وجيزة إلى العمل بإدارة الوقف في وظيفة “قائد فريق منسق دعم جودة التعليم”، ولا يزال يؤدي رسالته حتى اليوم. *** يؤكد الأستاذ أحمد أن الفضل الأكبر في تشكيل شخصيته يعود بعد الله تعالى إلى والديه، وإلى جدّه لأمه الشيخ أحمد علي عبدالله، الذي غرس فيه حب الثقافة والتعليم، فقد كان يأتي يومياً بصحف الأهرام والأخبار والجمهورية ويطلب منه قراءتها، الأمر الذي رسّخ في نفسه عادة القراءة، ولا سيما في مجالَي التاريخ والسياسة. ولا يزال حتى اليوم حريصاً على القراءة اليومية قبل النوم، كما كان لمجلة الدوحة القطرية أثر كبير في تكوينه الثقافي، وقد فاز مرات عديدة في مسابقاتها. ويذكُر أن من أكثر المعلمين تأثيراً في حياته الأستاذين عبدالراضي صيّاح وعبداللطيف الخولي، كما يكنّ تقديراً كبيراً للعمدة صلاح – طيب الله ثراه – الذي ترك بصمة واضحة في وجدانه. وعلى الصعيد الاجتماعي، تربطه علاقات صداقة ومودة قوية بعدد من أبناء جيله وزملائه، من أرزهم الدكتور جمال عويس، والأستاذ قاسم محمد حفني، والشيخ محمد رمضان، كما تجمعه علاقة زمالة ومحبة خاصة بالأستاذ محمد علام إسماعيل، كما لا ينسى أبداً صديقه الراحل عبدالغني خلف (الغاوي)، يرحمه الله. *** يؤمن “أبو مهند” بأن التوكل على الله، والرضا والقناعة، ورضا الوالدين ودعاءهما، كانت جميعها مفاتيح النجاح التي فتحت له أبواب التوفيق في حياته. وقد تُوّجت مسيرته العملية بعدد كبير من الجوائز وشهادات التكريم، فنال لقب المعلم المثالي على مستوى الإدارة التعليمية مرات عديدة، ثم على مستوى الجمهورية عام 2006، كما كرّمه وزير التربية والتعليم بحضور رئيس مجلس الوزراء آنذاك د. أحمد نظيف، ووزير التعليم العالي الراحل د. مفيد شهاب. كما شارك في دوري المعلومات الشهير، الذي كان يُبث عبر القناة الثامنة، وحقق من خلاله عدداً من الجوائز المتميزة. ولا يقتصر حضوره على الميدان التعليمي فحسب، بل يمتد إلى العمل النقابي والمجتمعي؛ إذ يشغل منصب أمين صندوق نقابة الوقف، وعضوية مجلس إدارة نقابة قنا الفرعية، كما أنه عضو بالجمعية العمومية لنقابة معلمي مصر، وعلى المستوى (السياسي) يشغل منصب أمين تنظيم حزب الجبهة الوطنية بمركز الوقف.
أما على الصعيد الأسري، فقد أكرمه الله بثلاثة من الأبناء يفخرُ بهم ويفخرون به: مهند، (المحامي بالقاهرة)، وميساء (الطالبة بكلية العلاج الطبيعي بجامعة أسيوط)، وآلاء (الطالبة بكلية الطب البشري بجامعة قنا)، وحين سُئل عن سر اختياره اسم ميساء لابنته، أجاب ضاحكاً بأن البُشرى بها وباسمها كانت عبر رؤيا في المنام. وفي يوم ميلاده الحادي والستين، لا يسعنا إلّا أن نحتفي بهذه القامة التربوية والإنسانية التي جمعت بين العلم والثقافة، وبين التواضع والنجاح، وبين حسن الخلق وطيب الأثر. فكل عام والأستاذ أحمد فاوي لبيق بخير، متّعه الله بموفور الصحة والعافية، وبارك في عمره وأهله وعلمه، وجزاه عن أجيالٍ من طلابه وزملائه خير الجزاء، ووفقه دائماً لما يحب ويرضى.