شخصيةُ اليوم ليست من أولئك الذين يستهويهم الضجيج أو يسعون إلى الأضواء؛ فالرجل آثر منذ نعومة أظفاره أن يسلك درباً مختلفاً، قوامه الاعتداد بالنفس، والتمسّك بالحق، والدفاع عنه مهما بلغت كلفة التحديات أو أثقال الخصومات. ومع ذلك، فإن من يقترب منه يكتشف بساطةً آسرة، وروحاً لا يخلو حديثها من طُرفة عذبة أو نكتةٍ خفيفة، إلى جانب احترامٍ عميق للصغير قبل الكبير، رغم ما خطّته السنون على ملامحه من وقارٍ وجدّية. يعرف الأستاذ إسماعيل حدوده جيداً، ويحفظ للناس خصوصياتهم، فلا يتجاوزها ولا يسمح بتجاوزها، وقد منحته هذه الصفات كاريزما هادئة جعلته الشخصية “الوازنة” في محيط أسرته، والمرجع الذي يلجأ إليه الجميع طلباً للمشورة والرأي. *** وُلد الأستاذ إسماعيل حداد مهران علي بقرية القلمينا في العاشر من مايو عام 1955، ليُكمل اليوم عامه الحادي والسبعين تماماً، وكان ترتيبه الرابع بين ثمانية إخوة ذكور. وبعد انتهاء فترة تجنيده بقوات الحرس الجمهوري في عهد الرئيس السادات، تسلّم عمله بالبنك الزراعي بمدينة الوقف مطلع مارس عام 1977، وظل يؤدي رسالته الوظيفية بإخلاص حتى خرج إلى المعاش في مايو 2015 بدرجة مدير عام. وطوال تلك المسيرة الممتدة، عُرف الرجل بالنزاهة ونظافة اليد، وصفاء السريرة، والميل إلى السكينة والهدوء، مع حرصٍ دائم على ألا يشغل نفسه إلا بما يعنيه. ***
ومع تقلّبات الحياة ومتطلبات الأسرة، وبحكم شخصيته العصامية المعتمدة على الذات، كان السفر محطةً لا مفرّ منها، فجاءت الكويت لتشكّل نقطة التحوّل الأبرز في حياته. ففي مارس 1994 شدّ الرحال إليها، وأقام هناك خمس سنوات متصلة، عايش خلالها حياةً مختلفة، وخرج منها بخبرات إنسانية واجتماعية ثمينة. وقد جمعه السكن في الغربة بثُلّة من أبناء القرية، اختلفوا في ظروفهم ومهنهم وطباعهم، لكنهم شكّلوا معاً لوحة إنسانية فريدة، ضمّت شقيقه الأكبر محمد حداد، وكلّاً من المهندس محمود عبدالمبدي، وشحات إبراهيم همام، وحسن ربيعي أبوعشرة، وعيطا أحمد علي عبدالله ـ رحمهم الله جميعاً ـ إضافة إلى الأستاذ محمد عبدالحميد عبدالواحد، وعبدالقوي عبدالصبور الحريري، وعلي عناني، ومحمود إمبابي. وقد تركت تلك “التوليفة” أثراً بالغاً في نفسه، فأدرك أن الحياة لا تقوم إلا على الصبر والمثابرة، والنأي بالنفس عن الصغائر، وأن الإنسان مطالب بالسعي والعمل والعبادة من المهد إلى اللحد. غير أن أكثر ما صقل شخصيته في الغربة أن ظروف العمل هناك دفعته إلى خوض مجالات بعيدة تماماً عن طبيعة العمل البنكي؛ فكان عليه أن يتعلّم ويجتهد ويكتسب مهارات جديدة. ويذكر دائماً بامتنان أن المهندس محمود عبدالمبدي ـ رحمه الله ـ كان له فضل كبير في تعليمه أجهزة القياس والرَّفع المساحي وحساب الكميات، إذ أحضر له استشارياً متخصصاً في الأجهزة الفنية المساحية، ليأخذ بيده نحو تعلّم “الصنعة” على أصولها. ومنذ ذلك الحين، نما داخله شغف حقيقي بكل جديد يتعلق بالمعدات وصيانة الأجهزة المنزلية، حتى تحوّل الأمر إلى هواية أصيلة؛ فأصبح حريصاً على اقتناء أدوات الصيانة المختلفة، وعلى إصلاح كل ما يتعطل في المنزل بنفسه، وكأن الاعتماد على الذات صار جزءاً لا يتجزأ من تكوينه الإنساني. ***
ولأنني أعلم يقيناً أن شخصية اليوم تُقدّر الرجال حق قدرهم، وأعرف كذلك ما يتحلّى به العمدة محمود صلاح من نزعةٍ للإصلاح وتغليبٍ للمصلحة العامة، فقد بدأتُ قبل أشهر محاولةً لرأب الصدع بين الأستاذ إسماعيل وآل عبدالواحد الكرام من جهة، وبين العمدة محمود من جهة أخرى، ويعلم الله أنني سعدت كثيراً حين وجدتُ من الجميع روحاً صادقة من التجاوب والاستجابة، ثم اكتمل هذا المسعى الطيب بجهود الأساتذة علي عيطا، وعبدالناصر عبدالراضي، وعبدالعليم العبد. ولله الحمد، فقد انقشعت سحابة الصيف العابرة، وعادت مساحات الود والاحترام المتبادل والتقدير لتُظلّل الجميع، ونسأل الله أن يديم المحبة وصفاء القلوب.
***
أكرم الله الأستاذ إسماعيل بولدين وثلاث بنات: محمد، ليسانس آداب قسم اللغة الإنجليزية، ويعمل بالأزهر الشريف. وعمرو، مهندس برمجيات وتكنولوجيا معلومات، ويعمل بالقاهرة. أما إيمان، فهي زوجة الأستاذ محمد حسن جودة السنبسي. ومروة، حاصلة على ليسانس الألسن من جامعة عين شمس، وتعمل مترجمةً فوريةً وتمارس الترجمة القانونية للمحاكم والسفارات بالقاهرة أيضاً. وفاطمة، طبيبة بشرية، وهي حرم المقدم المهندس أيمن عبدالحميد تقي، وتقيم بالقاهرة.
*** في زيارتي الأخيرة له، أصرّ أبو محمد على أن يرافقني بسيارته المرسيدس العتيقة حتى باب المنزل، ولم تكن المفاجأة في السيارة ذاتها، بل في حكايتها؛ إذ أخبرني أنها كانت السيارة الخاصة بالفنان الراحل عبدالمنعم مدبولي، وأنه اشتراها من ورثته… وكأن للرجل، حتى في تفاصيله الصغيرة، حكاياتٍ لا تخلو من فرادة ودفء وذكريات.