كتبت نجوى نصر الدين
ليس أصعب على الإنسان من أن يصل إلى لحظة يرى فيها الحياة عبئًا لا يُحتمل، وصوت الألم أعلى من كل الأصوات. في تلك اللحظة، لا يكون الإنسان ضعيفًا بقدر ما يكون مُثقلًا بما لا يراه الآخرون.
في مجتمعاتنا الإسلامية، يُنظر إلى الانتحار باعتباره محرّمًا تحريمًا شديدًا، وقد جاء في الحديث القدسي: «بادرني عبدي بنفسه فحرّمت عليه الجنة»، وهو نص يُظهر خطورة الفعل ومكانة النفس في ميزان الشريعة. كما يؤكد الإسلام في نصوصه الكبرى على قدسية الحياة، وأن الاعتداء عليها جريمة عظيمة.
لكن الإشكال لا يكمن في الحكم الديني، فهو واضح، بل في طريقة فهمنا له وتطبيقه. أحيانًا يتحول هذا التحريم من سياجٍ يحمي الإنسان، إلى سيفٍ يُشهر في وجه من يعاني، فنُسرع في الإدانة قبل أن نفهم، ونقسو حيث ينبغي أن نرحم.
كثير من الذين يصلون إلى هذه الحالة لا يبحثون عن الموت بقدر ما يبحثون عن نهاية للألم. إنهم أشخاص أنهكتهم الضغوط: فقرٌ يطحن الكرامة، بطالة تقتل الأمل، علاقات متوترة، أو اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والقلق، دون وجود من يستمع أو يدعم.وهنا يجب أن نُدرك أن ربط المعاناة النفسية بضعف الإيمان فقط، اختزالٌ ظالم. فالإيمان قوة، نعم، لكنه لا يُلغي الحاجة إلى العلاج، ولا يُغني عن الاحتواء الإنساني. كما أن النبي ﷺ نفسه أرشد إلى التداوي، مما يؤكد أن الأخذ بالأسباب جزء من الدين لا خروج عنه.
إن النصوص الدينية التي تُحذّر من الانتحار لا تهدف إلى دفع الإنسان نحو اليأس، بل إلى حمايته من قرارٍ نهائي في لحظة مؤقتة من الألم. وهي في جوهرها دعوة للحفاظ على الحياة، لا لإدانة من يتألم.
ومن جهة أخرى، فإن الآية الكريمة التي تقول إن من قتل نفسًا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعًا، تُظهر عِظم شأن النفس الإنسانية وحرمتها، وهو معنى يشمل أيضًا ضرورة صون الإنسان من أن يصل إلى مرحلة يعتدي فيها على نفسه.
المشكلة الحقيقية في مجتمعاتنا ليست فقط في وجود هذه الحالات، بل في الصمت الذي يحيط بها. نخاف من الحديث، فنترك المصابين وحدهم. نخشى “الفضيحة”، فنُغلق أبواب الدعم. فنخسر إنسانًا كان يمكن إنقاذه بكلمة، أو احتواء، أو استشارة مختص نحن بحاجة إلى مراجعة إنسانية عميقة: أن نُحسن الاستماع بدل إصدار الأحكام،
أن نُقدّم الدعم بدل اللوم،
أن نفهم أن الرحمة ليست ضعفًا، بل جوهر هذا الدين.
في النهاية، المجتمع القوي ليس الذي يخلو من الألم، بل الذي يعرف كيف يمدّ يده لمن يسقط، ويقول له: ما زال هناك مكان لك بيننا، وما زالت الحياة تستحق أن تُعاش
تحياتي
نجوى نصر الدين



































