بقلم: نجوى نصر الدين
الإنسان واتفاقه مع الزمن
من أعجب ما اتفق عليه البشر عبر التاريخ أنهم ابتكروا مفهومًا اسمه الوقت. فقسّموه إلى ثوانٍ ودقائق وساعات وأيام وشهور وسنوات، ثم جعلوه الميزان الخفي الذي تُقاس به حياتهم.
فالإنسان في حقيقته لا يملك شيئًا أثمن من الزمن الذي يعيشه بين لحظة الميلاد ولحظة الرحيل. وبكلمات واضحة: وقت الإنسان هو حياته نفسها، وما العمر إلا مجموعة من اللحظات التي تتراكم لتصبح قصة إنسان.
الوقت… القيمة التي لا تُرى
الوقت لا يُرى ولا يُلمس، لكنه القوة الصامتة التي تنظم كل تفاصيل حياتنا. فالساعة واحدة عند الجميع، واليوم نفسه يمر على كل البشر، لكن أثره يختلف باختلاف من يعرف كيف يستثمره.
فمن جعل الزمن صديقًا له، صنع من أيامه طريقًا نحو النجاح أما من تركه يضيع في الفراغ والتسويف، فإنه يكتشف متأخرًا أن الفرص كانت تمر بجانبه دون أن يمد يده لالتقاطها.
الشعور المختلف بمرور الزمن
ورغم أن الزمن واحد للجميع، فإن الإحساس به يختلف من إنسان لآخر.
فالمستأجر يرى الأيام تمضي مسرعة، بينما يراها المؤجر بطيئة.
والمدين يشعر أن الوقت يركض خلفه، بينما يبدو للدائن أكثر هدوءًا.
أما المنتظر في غرفة انتظار، فإن الدقائق عنده تثقل كأنها ساعات.
ولهذا قال الناس قديمًا: «الانتظار أوجع من ألم الضرس».
بين أمم تحترم الوقت وأخرى تهدره حين نتأمل حال المجتمعات، نكتشف أن الفارق بين التقدم والتأخر ليس في الموارد وحدها، بل في ثقافة احترام الوقت.
فهناك أمم جعلت من الزمن قيمة عليا، تؤمن بأن «الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك»، فصار احترامه جزءًا من نظام الحياة اليومية.
وفي المقابل، توجد مجتمعات تتعامل مع الوقت وكأنه عبء ثقيل، فيكثر فيها التأجيل والتراخي، ويصبح التهرب من العمل أمرًا يُتسامح معه بدل أن يكون موضع نقد.
قطار الحضارة… ومكاننا فيهلو تخيلنا الحضارة الإنسانية قطارًا يسير إلى المستقبل، لوجدناه مقسّمًا إلى ثلاث درجات: أولى وثانية وثالثة.
والحقيقة المؤلمة أن عالمنا العربي والإسلامي ما يزال – في كثير من جوانبه – يجلس في الدرجة الثالثة، يراقب القطار وهو يتقدم، بينما تمضي أمم أخرى إلى الأمام لأنها تعلمت كيف تحترم الوقت وتستثمره.
وختاما
الورقة التي ستُسحب
الحياة تشبه إلى حد كبير قاعة امتحان كبيرة.
كل إنسان يدخلها وفي يده ورقة زمنه، يكتب فيها ما يشاء من عمل أو أثر أو إنجاز.
لكن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون هي أن المراقب سيأتي في النهاية ليسحب الورقة.
عندها لن يكون السؤال: كم كان الوقت طويلًا؟
بل: ماذا كتبت فيه؟فالوقت ليس مجرد ساعات تمر، بل ورقة الامتحان الوحيدة في حياة الإنسان.
ومن أحسن الكتابة فيها، ترك أثرًا يبقى بعده…
ومن أهملها، اكتشف متأخرًا أن الزمن لا يمنح فرصة للإعادة.
نجوى نصر الدين



































