الإعلامي الدكتور أنور ساطع أصفري يحاور الشاعر الدكتور محمد حسن أبو النصر رئيس مجلس إدارة الإتحاد الدولي للكتاب العرب
يُعد شاعرنا ضيف هذا الحوار واحداً من الأسماء البارزة في المشهد الشعري، إذ تمتد تجربته لسنوات طويلة من الكتابة والبحث الجمالي .
في هذا الحوار نحاول الاقتراب من تجربته الإبداعية، ونسأله عن علاقة الشعر بالحقيقة ، وعن دور الشاعر في زمن تتغير فيه اللغة والواقع بسرعة غير مسبوقة.
العالمٍ يتسارع فيه كل شيء حتى تكاد المعاني تضيع في ضجيج الواقع ، و يبقى الشعر واحداً من المساحات القليلة التي تحافظ على قدرة الإنسان على التأمل والسؤال.
فالشاعر لا يكتب ليزين اللغة فحسب ، بل ليعيد اكتشاف العالم، ويمنح التجربة الإنسانية صوتاً أعمق وأكثر شفافية. وعندما نحاور شاعراً كبيراً، فإننا لا نستمع إلى كلمات عابرة، بل إلى تجربة طويلة من القلق الجمالي، والبحث عن الحقيقة، ومساءلة اللغة والحياة.
ضيف هذا الحوار كتب المقال والقصة القصيرة ، كما أنّه أحد الأصوات الشعرية التي استطاعت عبر سنوات من الكتابة أن تصنع لنفسها مكانة خاصة في المشهد الثقافي ، حيث تتقاطع في تجربته الأسئلة الجمالية مع هموم الإنسان وأسئلته الكبرى. لذلك نحاول في هذا اللقاء أن نقترب من عالمه الإبداعي ، وأن نفتح معه حواراً حول معنى الشعر اليوم ، وعلاقته بالحقيقة ، ودور الشاعر في زمن تتغير فيه القيم والمعاني بسرعة غير مسبوقة.
من هنا يبدأ هذا الحوار، لا بوصفه أسئلة وأجوبة فحسب ، بل محاولة لفهم تلك العلاقة الغامضة بين الشاعر والقصيدة ، بين اللغة والحياة ، وبين الإنسان وحلمه الدائم بأن يقول ما لا يستطيع الواقع أن يقوله .
إنّه سعادة السفير الدكتور الشاعر محمد أبو النصر ، الذي بدأنا معه الحوار بشكلٍ مباشر .
* كيف بدأتم مع مشوار ” الشعر ” ، وهل رأيتم أن الشعر عبارة عن كلمات مُجرّد كتابة ، أم هو إلهامٌ وقدرٌ شخصي ؟.
– بدأت مع الشعر منذ أيام الدراسة حيث نشأت في بيئة محبةٍ لّلغة العربية ، فكنت أنظم الكلمات سجعاً و أحاول زخرفتها دون أن أعرف معاني بحور الشعر أو الموسيقى الداخلية للنثر ، و لكن و اثر حادثة فقد في مقتبل الحياة كتبت قصيدة معبراً عما كان يجول في دواخلي من متناقضات ، و يومها كنت على مقاعد كلية الدراسة فكانت أول ما نظمت من شعر العمود . و أيقنت منذ تلك اللحظة بأن الشعر حياة و قدر و أنه إلهام و هبة ، لمن أحسن استخدامه و وضعه بمكانه ، فالشعر ولادة و ليس صنعاً أو ابتكاراً . * قلتم إثر حادثة فقدان في مقتبل الحياة ، كتبتم قصيدة تعبّر عن ما يجول بخاطركم من متناقضات ، ما هي هذه الحادثة ، وماذا كتبتم ؟. – هي كذلك والله ، وهذه هي القصيدة :
سحر الحب قالت: اخي والكذب يملأ وجهها يا ليت مثلي من يكون اخاكِ ذقتُ الهوانَ وبعض مائي علقمٌ لبساطتي مازلت قيد هواك إن الاخوةَ خصلةٌ خلاقةٌ وشهامةٌ دلّي على مرساكِ يكفيكِ لعباً يا لعوب تريثي وكفاكِ كذباً بالقلوب كفاكِ ان الاخوةَ يا غبية ضيعةً فتعاوني فالسر فيه يداك إن كنتِ باقيةً على عهد الهوى وحياة عينك لن احب سواكِ فعلى ملامحكِ الحسان تغيِّرٌ هيا افعلي ان كنت ظل رباكِ ان القلوب الا تراها لقمةٌ للحب سائغةٌ فماذا دهاكِ قالت أحبك هل اصدق ما ارى وسألتُ قلبي كي ينال رضاكِ قالت اجس النبض يكفي انني مازلت في الدنيا اسير هواكِ انفقتُ عمري في هواك فكيف لي بعد الغرام الحلو ان انساكِ سحر العيون إلى هواكِ يشدني ماذا اقول وقد دنت شفتاك نحوي وصار الشهد يقطر منهما وعلى الشفاه السمر خمر لماكِ هذي النجوم تمايلت وتراقصت سحر البريق تنيره عيناكِ والبدر غطاه الخسوف الا يرى ان الضياء يشف نور سناكِ والورد اتعبه الذبول بخدرهِ من ضوع عطرٍ سره خداك سهري الطويل وذي الكواكب سلوتي حسبي بأنك جنتي وملاكي.
* الشعر يقتحم ذاتكم بدون إستئذان ، فهل الشعر يأتي فجأة ، أم أنّه صناعة وصياغة تحتاج إلى زمنٍ وجهد ؟.
– الشعر كما أسلفت هو حياة و نهج وإرادة يطرق باب أرواحنا دون إستئذان في لحظة ما ، في تلك اللحظة تكون أعماقنا تعيش في صراعٍ داخلي مع ذاتنا ، لسببٍ ما ، أو اثر حادثة ما او ظرف ما يمرّ في حياتنا ، و ربما اكترثنا له أو ربما لم نكترث ، و لكن بمجرد الخلو بأنفسنا يطرق الشعر باب وجودنا ، لتجدنا نكتب دون إستئذان ، ونصرخ بالكلمة دونما موعد ، لنكتشف بأن ذلك الحدث لم يكن عشوائيا ، إنما كان محفزاً للشعر، ليولد فينا دون الحاجة للتصّنع و الابتكار ، تجدنا نكتب بعفوية و دونما إنتظار أو تأنّي ، و كأننا نعبر عن أنفسنا من خلالِ الأبجدية التي نسقطها على الورق .
* متى تشعرون أن القصيدة التي تكتبونها قد اكتملت ، ولم تعد بحاجةٍ إلى مراجعة أو تعديل ؟.
– الحقيقة وبالنسبة لي أشعر بهذا بعد النشر ، القصيدة احساس يترجم الحروف والكلمات ، و تبقى المعاني حبيسة الاضلع للشاعر ، فإن تلقاها الآخرون و فهموا وأدركوا معانيها وهدفها ، تكون اكتملت و ليست بحاجة لأي تعديل .. ناهيك عن أنها تكون مكتملة من حيث النحو والقواعد .
* هل تعتقدون أن الشعر يستطيع أن يقول الحقيقة ، كما في الفلسفة والفكر ؟.
– نعم ، الشعر قادر على أن يرتدي ثوب الحقيقة ، و ثوب النكران ، و كذلك ثوب عدم المبالاة ، كل ذلك يعود لمن يكتب الشعر نفسه . لكن بالمجمل نعم الشعر هو الحقيقة التي تترجم بالكذب ( لاستخدام الصور ) فأبلغ الشعر أكذبه . و على حجم الكذب في الشعر تكون الحقيقة واضحة و تكون بأعظم وجه .
* هل كتبتم قصيدة كنتم من خلالها شاهداً على العصر ؟.
– لا ادري بالمعنى الحرفي كشاهد على العصر ، و لكن من منطلق شخصي نعم كتبت ، و كانت النتيجة سلبية من حيث المكان والزمان الذي كتبت القصيدة فيهما وعنهما .
* باعتقادكم هل من المفروض أن يكون الشاعر حرّاً وبعيداً عن الأيديولوجيا أو السياسة ، أم من واجبه أن يكون قريباً من السياسة وهموم الإنسان والوطن ؟.
– من المفروض ذلك ، حيث أنّ الشاعر مثل الطير يحلق عالياً في السماء ، و ليس من الضرورة أن يكون منخرطاً في اتجاهات سياسية ما ، و لكن من الضرورة بمكان أن يكون قريباً من هموم وطنه و أهله ، والإنسان بشكلٍ عام ، و المفترض بالشاعر أن يترجم هذه الهموم ، ويتبنّاها من خلال حروفه وشعره دون المساس بأحد.