بقلم حسن اعتماد في زمنٍ ازدحمت فيه الوجوه وتعددت الألسنة، برزت فئة من الناس تتقن فنّ التمثيل أكثر مما تتقن فنّ التعامل، وتُحسن ارتداء الأقنعة أكثر مما تُحسن صون الودّ وحفظ العِشرة. تراهم يُظهرون من الود ما يلمّع صورتهم، ويخفون في باطنهم قبحًا يندى له الجبين؛ حقدًا دفينًا، ونوايا مشبوهة، وقلوبًا لا تعرف للصفاء طريقًا.
إنهم أولئك الذين يبتسمون في وجهك ابتسامة باردة، بينما تنفث ضمائرهم دخان الكراهية. يسألون عنك بلسانٍ معسول، وفي مجالسهم ينهشون سمعتك نهشَ الذئاب. يعطونك من الكلام ما يخدع السامع، ويضمرون من السوء ما لا يخطر ببال. هؤلاء لا يخدعون غير أنفسهم؛ فالزيف مهما طال عمره، ينكشف، والباطل وإن تلون، يبقى باطلًا.
وما أقبح أن يجتمع في المرء حسنُ المظهر وخبثُ المخبر؛ فلا خُلق يردعه، ولا ضمير يهديه، ولا أصالة تردّه إلى الصواب. إنهم دخَلاء على القيم، عابرون في الأخلاق، لا ينتمون إلى معدنٍ أصيل ولا يُصنفون ضمن أبناء الأصول.
أما أبناء الأصول — فشتّان ما بينهم وبين هؤلاء. هؤلاء قومٌ تحكمهم المبادئ قبل المصالح، وتضبطهم الأخلاق قبل المواقف. ظاهرهم كباطنهم؛ كلمةٌ صادقة، وقلبٌ نقي، ووجهٌ لا يعرف الالتواء. إذا أحبّوا صدقوا، وإذا عاهدوا وفوا، وإذا خالطوا الناس خالطوهم برحمةٍ وتقدير. هم من إذا اؤتُمنوا لم يخونوا، وإذا اختلفوا لم يطعنوا، وإذا غابوا بقي ذكرهم الجميل شاهدًا عليهم.
ولئن كان أصحاب الأقنعة يراهنون على المظهر، فإن أبناء الأصول يراهنون على الجوهر. ولئن كان أولئك يلمعون زيفهم بكلماتٍ منمّقة، فإن هؤلاء يضيئون طريقهم بصفاء القلب وثبات المبادئ.
وفي نهاية المطاف، يبقى الفرق بين الفريقين واضحًا لا يختلط: فالأول زيفٌ يسرق لحظاتٍ من الضوء قبل أن ينكشف، والثاني أصالةٌ تبقى وتسمو مهما تغيرت الأيام.