تُشكّل قناة السويس شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، إذ تصل بين البحرين المتوسط والأحمر، ويمر عبرها ما يقارب ١٢٪ من حركة التجارة الدولية. وهي أيضاً أقصر طريق يربط قارتي أوروبا وآسيا بحراً، إذ توفر نحو ١٥ يوماً من الإبحار مقارنة بطريق رأس الرجاء الصالح.
بالأمس : لحظة الاستقلال واسترداد القرار عند الحديث عن تاريخ القناة، فإن نقطة التحول الجوهرية لا تبدأ بيوم الحفر ولا بالافتتاح عام ١٨٦٩م، وإنما تبدأ مع تولي الرئيس جمال عبد الناصر مقاليد الحكم عقب ثورة يوليو ١٩٥٢م ومساعيه لاستعادة حقوق المصريين. فقد كان نصيب مصر من عائدات القناة لا يتجاوز ٣٪، في حين كانت الغالبية العظمى تذهب إلى الشركة الأجنبية التي تديرها.
وجاءت اللحظة الفارقة مع سحب الولايات المتحدة عرض تمويل السد العالي. فكان القرار التاريخي بتأميم القناة بعد دراسة متأنية للمشهد الدولي والإقليمي. وأسندت مهمة التنفيذ إلى المهندس محمود يونس، رئيس الهيئة العامة للبترول. وتمت السيطرة على كافة مقرات الشركة، لتبدأ ولأول مرة إدارة مصرية خالصة للمرفق الملاحي الأهم.
وبعد التسلم، تبين أن الشركة الأجنبية تعمدت إهمال تطوير المجرى الملاحي ونظام العبور، فضلاً عن إهمال أسطول الكراكات والقاطرات، في محاولة للضغط على مصر لتجديد الامتياز الذي كان مقرراً انتهاؤه عام ١٩٦٨م. وكانت محاولات التمديد قد بدأت منذ ١٨٨٣م وتكررت أعوام ١٨٦م و١٨٩٠م و١٩٠٩م و١٩٥٠م.
ولم تكتف القوى الغربية بذلك، فبادرت بمحاولات لانتزاع الإدارة. وكان أولها “مؤتمر لندن” لتدويل القناة، الذي قوبل برفض قاطع من الرئيس عبد الناصر. وأرسل المؤتمر وفداً رفيعاً برئاسة رئيس وزراء أستراليا روبرت منزيس حاملاً مشروع قرار مطول، خلاصته: “انسحبوا أيها المصريون… وسندير القناة نيابة عنكم”. فكان الرد المصري بالرفض.
ثم لجأت بريطانيا وفرنسا إلى مجلس الأمن لإصدار قرار ضد مصر، إلا أن الاتحاد السوفيتي استخدم حق النقض “الفيتو” تأكيداً على حق مصر السيادي.
وعندما باءت كل المحاولات بالفشل، اتجهتا إلى إسرائيل، وجرى توقيع “اتفاق سيفر السري” في ضاحية بباريس، الذي وضع خطة العدوان الثلاثي عام ١٩٥٦م. وقضت الخطة بأن تبادر إسرائيل بالهجوم، ثم تتدخل بريطانيا وفرنسا بحجة حماية الملاحة وإعادة إدارة القناة “لصالح المجتمع الدولي”. لكن العدوان انتهى بهزيمة سياسية وعسكرية لهم، وبدأت مرحلة جديدة من التحرر الوطني.
وفي الإطار المالي، لم تصادر مصر القناة بل أممتها، وسددت تعويضات لحملة الأسهم بلغت نحو ٢٨٫٣ مليون جنيه إسترليني، قبل موعد الاستحقاق بعام كامل.
كما واجهت الإدارة المصرية مؤامرة انسحاب المرشدين الأجانب بهدف شل الملاحة وإثبات العجز. إلا أن ٣٩ مرشداً مصرياً و١١ مرشداً يونانياً و٣ مرشدين أجانب تمكنوا بمساندة ضباط من البحرية المصرية من إرشاد ٤٢ سفينة في اليوم الأول، فأثبتوا الكفاءة المصرية، وكرمهم الرئيس عبد الناصر بوسام الاستحقاق.
اليوم : مشروع تطوير يعيد رسم الخريطة الملاحية شهدت القناة في العصر الحديث نقلة نوعية في عهد الإدارة المصرية. وتم تنفيذ مشروع تطوير القطاع الجنوبي لمواكبة النمو المتسارع في حركة التجارة العالمية والسفن ذات الغواطس الكبيرة، بما يصون مكانة القناة كأهم ممر ملاحي عالمي.
وتضمن المشروع تطوير مسافة ٤٠ كيلومتراً في القطاع الجنوبي، وحفر ازدواج بطول ١٠ كيلومترات ليصبح إجمالي الجزء المزدوج ٨٢ كيلومتراً. كما تمت توسعة المجرى بزيادة ٤٠ متراً في العرض، وتعميقه إلى ٧٢ قدماً، إلى جانب أعمال حماية وتأمين للمجرى، مما سمح برفع الطاقة الاستيعابية وتقليص زمن الانتظار.
وفي سياق توطين الصناعة البحرية وتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، شرعت الهيئة في بناء وحدات بحرية حديثة داخل ترسانات بورسعيد والسويس بالتعاون مع القطاع الخاص، وفق أحدث المعايير العالمية.
وأُنشئت “شركة قناة السويس للقوارب الحديثة” التي اكتسبت خبرة متقدمة في صناعة سفن أعالي البحار والقاطرات واليخوت الفاخرة.
أما على صعيد أسطول التكريك، فباتت الهيئة تمتلك أكبر كراكتين في الشرق الأوسط بالتعاون مع ترسانة “رويال آي إتش سي” الهولندية، وهما الركيزة الأساسية لأعمال التطهير والصيانة الدورية للحفاظ على عمق يصل إلى ٢٤٫٥ متراً. كما جرى تحديث أسطول القاطرات البحرية المرافقة للسفن العابرة، ببناء قاطرات جديدة بقدرات متنوعة لضمان أعلى معايير السلامة الملاحية.
أيقونة مصرية على أرض الواقع وهكذا تحولت “قناة السويس الجديدة” إلى رمز للإرادة المصرية. من معركة التأميم إلى معركة التطوير… ذات العقلية التي صنعت القرار، هي التي صنعت المستقبل.