سيكولوجيا الفوضى كأداة للهيمنة حين يفقد القانون الدولي شرعيته أمام التوسع الاستيطاني الاقتصادي
في عالم يفترض أن تحكمه القوانين والمواثيق الدولية، تبرز ظاهرة مقلقة تتمثل في توظيف الفوضى كأداة سياسية واستراتيجية لتحقيق أهداف جيوسياسية واقتصادية بعيدة المدى. فبعض الدول لا تكتفي بإدارة الصراعات أو الاستفادة من تداعياتها، بل تسعى إلى إنتاج بيئات مضطربة تعيد تشكيل موازين القوى والوقائع على الأرض، بما يخدم مشاريعها التوسعية والاستيطانية. وتقوم سيكولوجيا الفوضى على إغراق المجتمعات المستهدفة في دوامة مستمرة من الأزمات الأمنية والاقتصادية والإنسانية، بحيث ينصرف اهتمامها إلى إدارة أزماتها الداخلية، بينما تعاد صياغة الحقائق السياسية والجغرافية تدريجيا. وفي ظل هذا الواقع، يتحول الاستيطان أو التوسع الإقليمي إلى أمر واقع يصعب التراجع عنه، لا بسبب شرعيته القانونية، وإنما نتيجة عجز المجتمع الدولي عن تنفيذ قراراته أو فرض التزاماته.
وتكمن خطورة هذه السياسات في أنها لا تهدد الشعوب المتضررة فحسب، بل تمس أيضا الأساس الأخلاقي والقانوني الذي يقوم عليه النظام الدولي. فالقانون الدولي يستمد شرعيته من مبدأ المساواة بين الدول، ومن إلزامية قواعده على الجميع دون استثناء. غير أن التطبيق الانتقائي لهذه القواعد، أو تعطيلها بفعل اعتبارات القوة والمصالح السياسية، يؤدي إلى تآكل الثقة بالمؤسسات الدولية، ويقوض مكانتها بوصفها مرجعية للعدالة وحفظ السلم والأمن الدوليين. وقد شهد العالم خلال العقود الأخيرة حالات عديدة بدت فيها القرارات الدولية عاجزة عن وقف التوسع الاستيطاني أو منع إحداث تغييرات ديموغرافية وجغرافية في مناطق النزاع. ومع تكرار هذا العجز، ترسخ لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي انطباع مفاده أن القوة أصبحت، في كثير من الأحيان، أكثر تأثيرا من القانون، وأن الوقائع تفرض على الأرض قبل أن تناقش داخل أروقة المنظمات الدولية.
ولا تقتصر آثار سيكولوجيا الفوضى على الدمار المادي أو الخسائر البشرية، بل تمتد إلى مستوى أكثر عمقا يتمثل في التطبيع النفسي مع غياب العدالة. فعندما تصبح الانتهاكات المتكررة مشهدا مألوفا لا يترتب عليه ردع أو محاسبة، تتحول الاستثناءات إلى قواعد، ويتراجع الإيمان بقدرة القانون الدولي على حماية الحقوق وصون السلم العالمي. وفي هذا السياق، يبرز التوسع الاستيطاني الاقتصادي باعتباره أحد أكثر الاختبارات حساسية لفاعلية القانون الدولي وشرعيته. فالتوسع لم يعد يقتصر على السيطرة على الأرض، بل أصبح يرتبط أيضًا بإعادة تشكيل البنية الاقتصادية للمناطق المتنازع عليها، عبر استثمار الموارد، وإنشاء البنى التحتية، ودمج تلك المناطق تدريجيا في المنظومة الاقتصادية للدولة المسيطرة. وهنا لا يقتصر التغيير على الجغرافيا والديموغرافيا، بل يمتد إلى خلق وقائع اقتصادية تجعل أي تراجع سياسي أكثر تعقيدا وكلفة. ومن ثم، فإن استعادة شرعية القانون الدولي لا تتحقق بمجرد إصدار المزيد من القرارات أو بيانات الإدانة، بل تتطلب إرادة دولية حقيقية لتطبيق قواعده بصورة عادلة ومتساوية، بعيدا عن ازدواجية المعايير أو اعتبارات النفوذ السياسي. فالقانون الذي لا ينفذ يفقد هيبته، والعدالة التي لا تمارس تتحول إلى مجرد شعارات، بينما تزداد قناعة الفاعلين الدوليين بأن موازين القوة هي التي تحدد النتائج، لا المبادئ القانونية.
وبين الفوضى المنظمة ومشاريع التوسع والاستيطان، يبقى السؤال الجوهري: هل يستطيع النظام الدولي استعادة مصداقيته من خلال التطبيق المتساوي للقانون على جميع الدول، أم أن العالم يتجه نحو مرحلة تتراجع فيها سلطة القانون أمام منطق القوة وفرض الأمر الواقع؟