كتب / خالد ربيعي
متابعة / ممدوح السنبسي
من بين رجالٍ مرّوا في تاريخ الوقف، يظلّ اسم الشيخ إبراهيم الوقفي واحداً من الأسماء التي لا تُختزل في سيرة عالم أزهري فحسب، بل في قصة رجلٍ جمع بين العلم والدعوة، وخدمة الوطن، والعمل العام، حتى استحق أن يُقال عنه إنه أوقف حياته كلها لخدمة دينه وبلده.
فهو العالم الأزهري الذي تزامل مع الإمام الشيخ متولي الشعراوي خلال عملهما في المملكة العربية السعودية، وصاحب المؤلفات الإسلامية التي أثرت المكتبة العربية بأكثر من سبعة كتب، وهو أيضاً أول برلماني من أبناء الوقف طالب بتطبيق الشريعة الإسلامية، وصاحب الموقف الوطني الذي اشترط انسحابه من انتخابات مجلس الشعب لمصلحة مرشح الحزب الوطني آنذاك، مقابل الموافقة على فصل قرية الوقف عن مركز دشنا لتصبح مدينة مستقلة؛ وهو الحلم الذي تحقّق لاحقاً.
وُلدَ الشيخ إبراهيم أحمد محمد الزير عام 1914م بناحية “القلمينا البحرية” (المداكير بالوقف حالياً)، وينتمي إلى قبيلة الوشاشات الكريمة، وهو عم أستاذنا الراحل د. حفني إسماعيل الزير (يرحمه الله)، وخال أ. مصطفى عبدالعليم، وقد عُرف بلقب “إبراهيم الوقفي” نسبة إلى الوقف، التي كانت حتى عام 1988م إحدى قرى مركز دشنا.
ومنذ سنواته الأولى، اتّجه إلى طلب العلم في رحاب الأزهر الشريف، فتلقى علومه على أيدي كبار العلماء، وفي مقدمتهم الإمام محمد الغزالي. كما تزامل مع الإمام الشعراوي خلال فترة عملهما بالسعودية، وربطته صداقة وثيقة بالشيخ محمد الطيب، وكان من أساتذة شيخ الأزهر الحالي د. أحمد الطيب، وكذلك شيخ الأزهر الأسبق د. سيد طنطاوي، رحمه الله.
عمل الشيخ سنوات طويلة بجامعة الأزهر، وتولّى منصب مفتش العلوم الشرعية، غير أن شهرته الإعلامية لم تكن بمقدار مكانته العلمية، إذ قضى جانباً كبيراً من حياته خارج مصر، حيث عمل في عدد من أكبر الجامعات الإسلامية بالوطن العربي، ولا سيما في السعودية، التي شغل فيها منصب شيخ معهد أنجال الملك سعود، كما حمل رسالة الدعوة إلى لبنان والجزائر، وامتد عطاؤه إلى دول غير إسلامية، مثل فرنسا.
ولم يكن الشيخ الوقفي عالماً منعزلاً عن قضايا وطنه، بل رأى أن مسؤولية العالم تمتد إلى المجتمع والدولة.
فحين عُيّن عضواً بمجلس الشورى خلال ثمانينيات القرن الماضي، كان عضواً في لجنة تطبيق الشريعة الإسلامية، ويُعَد أول من تقدم بمشروع قانون يدعو إلى تطبيق الشريعة في مصر، غير أن المشروع لم يحظ بالموافقة، ففضّل الانسحاب من العمل السياسي، مؤثراً “الثبات على المبدأ” على البقاء في المنصب.
أما علاقته ببلدته الوقف، فكانت صفحة مضيئة من صفحات الوفاء والانتماء، حيث كان أول من طالب بفصل قرية الوقف عن مركز دشنا، لتصبح مركزاً مستقلاً.
ويروي نجله، المهندس أسامة، تفاصيل هذه القصة، فيقول: خلال ثمانينيات القرن الماضي، رشّح الشيخ إبراهيم نفسه مستقلاً لانتخابات مجلس الشعب أمام نائب الحزب الوطني الراحل فايز أبوالوفا، الشهير بـ “بركات الشاذلي”، وأثناء ذلك مارس محافظ قنا آنذاك ضغوطاً عليه للتنازل عن خوض الانتخابات، وذلك بحضور البرلماني الكبير الراحل عبدالرحيم الغول.
وسأل المحافظ الشيخَ عن مطالبه مقابل الانسحاب، فكانت إجابته لافتة؛ إذ قال إن طلبه ليس شخصياً، وإنما يتمثّل في تحويل قرية الوقف إلى مركز مستقل. فوعده المحافظ برفع الأمر إلى القيادات العليا، فتنازل الشيخ إكراماً لمرشح الحزب الوطني.
وبعد فترة، عيّن الرئيس حسني مبارك الشيخ عضواً بمجلس الشورى، فعاد من جديد لمتابعة تحقيق حلم أبناء الوقف، وطرح القضية على عدد من الشخصيات المؤثرة، حتى تُوجت الجهود باعتماد وزير الداخلية آنذاك (اللواء أحمد رشدي – يرحمه الله)، القرار الذي تحقق بالفعل عام 1988م، لتصبح الوقف مركزاً مستقلاً.
لم تتوقف خدمات الشيخ النائب عند هذا الحد، بل كان من أبرز الساعين إلى إنشاء أول معهد أزهري بناحية الساقية، كما بذل جهوداً كبيرة لتحويل الوحدة الصحية إلى ما أصبح اليوم مستشفى الوقف المركزي، إلى جانب العديد من الخدمات التي تركت أثراً باقياً في حياة أبناء المدينة.
كان الشيخ الجليل يرى أن بناء الإنسان يبدأ بالعلم، لذلك سخّر حياته للتأليف والدعوة ونشر الفكر الوسطي المعتدل.
وقد ترك للمكتبة الإسلامية عدداً من المؤلفات القيّمة، اتسمت جميعها بروح الاعتدال والانفتاح والحوار، من أبرزها: “الحوار لغة القرآن والسنة النبوية”، و”السماحة في الإسلام والمسيحية”، و”عاشروهن بالمعروف”، و”الله في الأديان الثلاثة”. كما ألّف في الفقه والشريعة كتباً مهمة، منها: “تلك حدود الله”، و”الموجز الوافي في الميراث الشرعي”، و”ما يخشاه المعارضون من الشريعة الإسلامية”.
ورغم هذا العطاء العلمي، لم يحظَ الشيخ بما يستحقه من شهرة؛ فقد أمضى سنوات طويلة خارج البلاد، وكان بطبعه زاهداً في الأضواء، فلم يظهر إعلامياً إلّا في عدد محدود من البرامج الإذاعية، من أشهرها برنامج “نور على نور” بإذاعة القرآن الكريم، حيث كانت له إسهامات متميزة في الحوارات الدينية والإجابة عن أسئلة المستمعين.
رزق الله الشيخ الجليل 8 أبناء؛ 4 من الذكور، هم: أحمد مجدي (مدير مبيعات بشركة ديكوم السعودية – في رحاب الله)، والحسيني (رجل أعمال – رحمه الله)، وأسامة (مهندس زراعي، ويُعرَف بأسامة الشيخ)، ووائل (محاسب).
كما رزقه الله 4 بنات، هن: زوجة كحّول سليمان (مدير فندق هيلتون – يرحمه الله)، وزوجة الحاج حسن درويش (رجل أعمال – العمارنة، يرحمه الله)، وزوجة محمود درديري (البهايجة – يرحمه الله)، وزوجة المهندس صبري أبوبكر (البهايجة).
وفي 31 أغسطس 1997م، وبعد رحلة امتدت نحو نصف قرن في خدمة القرآن الكريم والسنّة النبوية، والعمل العلمي والدعوي، والإسهام في نهضة بلدته وأمته، لقي الشيخ إبراهيم الوقفي ربه عن عمر ناهز 83 عاماً، تاركاً خلفه علماً نافعاً، ومواقف وطنية خالدة، وآثاراً لا تزال شاهدةً على إخلاصه وصدق عطائه.
رحم الله الشيخ الجليل رحمة واسعة، وجعل ما قدّمه للإسلام والوطن وأبناء الوقف في ميزان حسناته، وبارك في أهله وذرّيته إلى يوم الدين.
