بقلم نجوي نصر الدين
متى تُعامل الدولة التربية والتعليم كوزارة لإنتاج العقول لا كوزارة خدمية؟
حين يُنظر إلى وزارة التربية والتعليم على أنها مجرد جهة تقدم خدمة، تصبح المدارس مباني، والمناهج أوراقًا، والامتحانات غاية، والشهادات نهاية المطاف. أما حين تُعامل باعتبارها وزارة لإنتاج العقول، فإنها تصبح المصنع الحقيقي الذي تُبنى فيه الأمم، وتُصاغ فيه الشخصية، ويُرسم فيه مستقبل الوطن.
إن الدول التي سبقتنا لم تُحقق نهضتها لأنها امتلكت ثرواتٍ أكبر، بل لأنها أدركت أن أعظم ثروة هي الإنسان. فالنفط قد ينضب، والمعادن قد تُستنزف، أما العقل المتعلم فهو الثروة الوحيدة التي تزداد قيمة كلما استُثمر فيها.
وزارة التعليم ليست جهة لتسيير الامتحانات، ولا مؤسسة لإصدار الشهادات، بل هي المعمل الذي يُنتج الطبيب والمهندس والقاضي والمعلم والعالم والمفكر والمبتكر. فإذا صلحت مخرجات التعليم، صلحت معظم مؤسسات الدولة، وإذا ضعفت، انعكس ضعفها على كل القطاعات.
ولذلك فإن الإنفاق على التعليم ليس بندًا استهلاكيًا، بل استثمار طويل الأجل. وكل جنيه يُنفق على بناء عقل، يوفر أضعافه في علاج الجهل والبطالة والجريمة والتطرف والتخلف.
إن إصلاح التعليم لا يبدأ بتغيير كتاب أو نظام امتحان فحسب، بل يبدأ بتغيير الفلسفة التي تحكمه: من فلسفة الحفظ إلى الفهم، ومن التلقين إلى التفكير، ومن صناعة حافظي المعلومات إلى صناعة منتجي المعرفة.
كما أن المعلم لا ينبغي أن يُنظر إليه كموظف يؤدي ساعات عمل، بل كمهندس للعقول، وصانع للأجيال، وحامل لرسالة تُبنى عليها حضارة الأمة. فالمجتمع الذي يرفع مكانة معلمه، إنما يرفع مكانة مستقبله.
إن السؤال الحقيقي ليس: كم مدرسة بنينا؟ بل: كم عقلًا أبدعنا؟ وليس: كم طالبًا نجح؟ بل: كم إنسانًا أصبح قادرًا على التفكير والإبداع وتحمل المسؤولية؟
فالأمم لا تُقاس بعدد الأبراج التي تشيدها، وإنما بعدد العقول التي تُخرّجها. وإذا أردنا مستقبلًا مختلفًا، فعلينا أن نتوقف عن التعامل مع التربية والتعليم كوزارة خدمية، وأن نراها كما ينبغي أن تكون: وزارة لإنتاج العقول، وصناعة الإنسان، وبناء الحضارة.
ختامًا…
إن الطريق إلى نهضة الأوطان لا يبدأ من مصانع الأسمنت والحديد، بل من الفصل الدراسي. فهناك تُبنى العقول، وتُغرس القيم، ويُصنع المستقبل. وعندما تدرك الدولة أن التعليم ليس عبئًا على الموازنة، بل أعظم استثمار في الإنسان، عندها فقط ستتحول المدارس من أماكن لتلقي الدروس، إلى مصانع تُخرج أجيالًا قادرة على صناعة الغد
تحياتي
نجوى نصر الدين




































