في دورته الأربعين، عاد معرض تونس الدولي للكتاب (23 أفريل – 03 ماي 2026) ليؤكّد مكانته كأحد أبرز المواعيد الثقافية في الفضاء العربي، حيث يتجدّد اللقاء بين الكتّاب والقرّاء والناشرين، وتُسلّط الأضواء على الإنتاج الفكري والإبداعي في مختلف تجلّياته وقد مثّل حفل توزيع الجوائز لحظة مركزية في هذا الحدث، بما يحمله من رمزية الاعتراف والتكريم..
وشملت الجوائز ثمانية مجالات عكست تنوّع الحقول الأدبية والمعرفية. فقد تُوّجت أمينة زريق بجائزة البشير خريف عن روايتها “تحت جسر أمستردام”، فيما نالت حفيظة قارة بيبان جائزة علي الدوعاجي عن مجموعتها القصصية “أنا والقاتلة وظلالنا” وفي مجال الدراسات، مُنحت جائزة الطاهر الحداد مناصفة بين العادل خضر عن “في الحب والح(ر)ب” ومحمد الحداد عن “علمنة الإصلاح الديني”، في حين حُجبت جائزة فاطمة الحداد للكتابات الفلسفية، في دلالة لافتة تستدعي التأمل.
كما فاز محمد الناصر المولهي بجائزة مصطفى خريف للشعر عن ديوانه “لا بيت للشباك الحفيد” ونال أحمد الحيزم جائزة الصادق مازيغ في الترجمة عن “من واحة إلى أخرى”. وفي مجال أدب الطفل تمّ تكريم زينب بن عثمان، فيما آلت جائزة النشر إلى دار Pop Libris بإدارة سامي المقدم، تقديرًا لدورها في دعم صناعة الكتاب.
غير أنّ هذا المشهد الاحتفائي على أهميته، يفتح سؤالًا جوهريًا يتجاوز لحظة التتويج: هل يكفي معرض سنوي، مهما بلغ حجمه وإشعاعه، لصناعة مشهد ثقافي حي؟ وهل تستطيع الجوائز، في حدّ ذاتها أن تكون سندًا حقيقيًا للكاتب، وأن تدفع بعجلة الإنتاج الفكري والنشر إلى الأمام؟
إنّ الإبداع، بطبيعته، لا يُختزل في لحظة تكريم، ولا يُقاس بوهج مناسبة عابرة. فالكاتب يحتاج إلى بيئة متكاملة تضمن له شروط الاستمرار: دعم مؤسساتي سياسات نشر واضحة، قنوات توزيع فعّالة، وجمهور قارئ يجد في الكتاب حاجة يومية لا ترفًا ثقافيًا كما أنّ دور النشر تواجه تحديات متزايدة، من كلفة الإنتاج إلى محدودية السوق، وهي إشكاليات لا يمكن لمعرض، مهما كان ناجحًا، أن يحلّها بمفرده.
من هنا، يبدو المعرض أقرب إلى مرآة تعكس حيوية المشهد الثقافي أكثر مما تصنعه هو فضاء للاحتفاء، نعم، ومنصة للاعتراف، لكنه يظلّ حلقة ضمن سلسلة أطول تتطلّب رؤية ثقافية مستدامة، تجعل من الكتاب مشروعًا وطنيًا يتجاوز الطابع الموسمي.
بين التتويج والسؤال، يظلّ الرهان قائمًا: كيف نحوّل هذا الزخم الرمزي إلى فعل ثقافي دائم؟
كيف يصبح المعرض نقطة انطلاق لا محطة عابرة؟
تلك هي المعضلة التي لا تُحلّ بالجوائز وحدها وإنما بإرادة ثقافية شاملة تعيد للكتاب مكانته في المجتمع، وتمنح الكاتب شروط الحضور والتأثير
فالمعرض، بقدر ما يُضيء أسماءً ويُرحّب بمؤلفات جديدة، لا يمكنه أن يعوّض غياب سياسة ثقافية متكاملة تُعنى بالكتاب على طول العام تبدأ من التعليم، وتمتدّ إلى دعم النشر، وتنتهي ببناء فضاء قرائي دائم والكاتب بحاجة دائمة إلى حماية مشروعه من الانكفاء ليخرج من صمته ويبدع والمشهد الثقافي في نهاية المطاف يحتاح إرادة جماعية تجعل من الكتاب عنوانًا للحياة تحمي الكاتب من الحياة نفسها