بقلم: نجوي نصر الدين
في قوانين الحياة كما في قوانين التاريخ، لا تولد الأزمات فجأة، ولا تنفجر الكوارث من فراغ، بل تتكوّن تدريجيًا، عبر قرارات خاطئة، وإهمال متراكم، وصمت طويل. ولعلّ أصدق ما يعبّر عن هذه الحقيقة هو القول المأثور: “إذا زرعتَ الرياح… ستحصدُ الإعصار”.
فالريح قد تبدأ فكرة عابرة، أو قرارًا متسرّعًا، أو تجاهلًا بسيطًا لمشكلة قائمة، لكنها مع الوقت تتحوّل إلى إعصار يضرب الاستقرار، ويقوّض الثقة، ويهدّد مستقبل المجتمعات.
في كثير من مؤسساتنا العربية، تُتخذ القرارات دون رؤية استراتيجية واضحة، وتُدار الملفات الحيوية بمنطق التجربة والخطأ، لا بمنهج التخطيط والدراسة. يُقصى أصحاب الكفاءة، ويُقدَّم أهل الولاء، فتُزرع بذور الضعف في صلب المنظومة.
ولا يقلّ خطورة عن ذلك تحوّل الإهمال إلى سلوك عام وثقافة يومية؛ في المدرسة، في المستشفى، في الإدارة، وفي الشارع. حين يصبح التقصير أمرًا معتادًا، والرداءة مقبولة، فإن المجتمع يراكم أسباب الانهيار بصمت.
ويظل التعليم المثال الأوضح على هذه المعادلة الخطرة.
فعندما يُفرَّغ من مضمونه الحقيقي، ويُختزل في حفظ آلي وشهادات شكلية، يفقد دوره في بناء الإنسان القادر على التفكير والإبداع. طالب بلا وعي، ومعلم بلا تقدير، ومنهج بلا روح، هي رياح تُنذر بإعصار اجتماعي واقتصادي قادم.
أما الإعلام، فله دور محوري في صناعة الوعي أو تشويهه. وحين تُستبدل المعرفة بالتفاهة، والفكرة بالصخب، والقيمة بالشهرة، تكون النتيجة جمهورًا سريع الانفعال، ضعيف التحليل، سهل التوجيه.
وفي المجال السياسي، لا تقلّ العواقب جسامة.
فإدارة الشأن العام بمنطق المصالح الضيقة، وإقصاء صوت المواطن، وتهميش العدالة، كلها ممارسات تزرع عدم الاستقرار. ظلم اليوم يتحوّل إلى غضب الغد، وصمت اليوم إلى انفجار مؤجَّل.
غير أن هذا المسار ليس قدرًا محتومًا. فكما نزرع الرياح، يمكننا أن نزرع الوعي. وكما نصنع الأزمات، نستطيع صناعة الحلول، عبر ترسيخ قيم الكفاءة، والشفافية، والمساءلة، واحترام العقل والعلم.
إن بناء الأوطان لا يقوم على الشعارات، بل على سياسات رشيدة، وتعليم جاد، وإعلام مسؤول، وإدارة تحترم الإنسان.
وفي النهاية، تبقى المسؤولية مشتركة بين الفرد والمؤسسة والدولة. فكل كلمة، وكل موقف، وكل قرار، وكل صمت، هو بذرة تُزرع في تربة المستقبل.
فإما أن نزرع الرياح، وننتظر الإعصار،
وإما أن نزرع الوعي، ونحصد وطنًا قادرًا على البقاء والتقدم.
تحياتي
نجوى نصر الدين


































