ذكر المؤرخون أن موظفًا بسيطًا في إحدى الجامعات كتب رقاعًا ينتقد فيها الإدارة بعدما شعر بالظلم والقهر، فوزّعها على زملائه علّها تثير نقاشًا أو تصحّح مسارًا. لكن الرئيس لم يرَ فيها سوى جريمة كبرى تمسّ هيبته، فأمر نوابه بالبحث عن طريقة للتخلّص من صاحبها. ولأن نواب الرئيس في “جامعات القرون الوسطى” كانوا يمارسون دور العسس أكثر من دور العلماء، فقد شكّلوا لجانًا للتحقيق، وخلصوا إلى أن الحل هو “الاعتذار”. لكن الاعتذار في قاموسهم لم يكن تصحيح خطأ، بل كتابة ثلاث رقاع مديح لرئيس الجامعة، تمتلئ بالثناء والتمجيد، وتصفه بأنه “وحيد زمانه وفريد عصره”، وأن الخير والبركة يسريان في ظله! وحين تردد الموظف قائلاً: “أخشى ألا يعجبه الكلام”, أجابه أحد النواب بثقة: “اكتبها، وسأهذبها وأرصعها حتى تليق بجلاله وبهائه.” مأساة تبدو من القرون الوسطى، لكنها تتكرّر اليوم في كثير من مؤسساتنا الحديثة، حين يتحوّل النقد إلى تهمة، والولاء إلى مهنة، والمديح إلى وسيلة للترقي والبقاء. إنّ أخطر ما يصيب الإدارة ليس الفساد المالي ولا الإداري فحسب، بل الفساد النفسي الذي يجعل القائد يرى في النقد عداء، وفي الصراحة تهديدًا، وفي الحقيقة مؤامرة. ولو عاش أطباء النفس في تلك الأزمنة، لكانوا أول من نصح بعلاج الرؤساء الذين يخافون من كلمة، ويطاردون فكرة، ويفتشون في الرقاع بدل أن ينظروا في المرايا. تحياتي نجوى نصر الدين