…. وهذه شخصية نادرة وفريدة… أرى أنه من الواجب أن نلقي الضوء على رحلة كفاحها على مدار أكثر من سبعين عاما وانتهت برحيلها – يرحمها الله – مطلع هذا العام….. ولدت “أم إمام” واسمها بخيتة علي عبدالرحمن في الأربعينيات من القرن الفائت، واشتهرت بلقب بخيتة شنب، نسبة إلى جدها عبدالرحمن الذي يبدو انه كان ذا “شنب” مميز فالتصق به اللقب، وانتقل لأبنائه وأحفاده.
كانت الراحلة جارتنا عندما كنا في بيتنا القديم في البلد، لذا كانت إحدى صديقات والدتي يرحمها الله، التي روت لي أن “أم إمام” كانت “تحوش” معها بعض ما يتيسر لها من قروش مع نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات، وبكت السيدة بخيتة عندما عرفت أن المبلغ الذي حوشته بعد سنين أصبح 17 جنيها بحالهم (ما يعادل 70 ألف جنيه حاليا) اشترت بها نصف قيراط لتسكن فيه مع أولادها (البيت المجاور لقهوة البطلان، وقد كان بورة – أي أرضا منخفضة-).
في عام 1980 توفي زوجها أحمد محمد عصمان وشهرته ماضي، يرحمه الله، فوجدت المرأة نفسها أرملة مسؤولة عن خمسة أولاد، أكبرهم إمام، وكان في العشرينيات، وأصغرهم عبدالصمد نحو 3 سنوات، وبدأت رحلة كفاح تشبه النحت في الصخر، كي لا تذل نفسها لأحد ولا تنحني أمام عواصف الزمن… * عملت أم إمام طوال نحو 5 عقود في عدة مهن مختلفة، أشهرها بيع الطيور والحمام، وهي المهنة التي استمرت فيها حتى وفاتها.
وقبل ظهور محال الكوافير في الوقف كانت هي المختصة بتجميل وتزيين العرائس، كما كانت قبل انتشار عيادات وأطباء النساء والتوليد، واحدة من أبرز “الدايات” في القرية…
عملت أيضا في تجارة المواشي، مع كبار التجار، وافتتحت في بيتها الذي بنته “بالمسلح” مشروعا للعطارة ولوازم النساء. وطوال هذه الفترة كانت تشترك في العديد من “الجمعيات” وساعدت أبناءها على امتلاك سيارات يعملون عليها كسائقين، ثم اشترت بيتا بجوار بيتنا الحالي وقامت ببنائه ليتوسع فيه أبناؤها بعد ان تزوجوا وأنجبوا…..
كانت يرحمها الله “ملحمة كفاح” تمشي على الأرض، ولا تترك للفراغ مجالا في حياتها… لم تغضب أحدا منها، ولم تكن لها ضغائن مع زبائنها او جيرانها، تسبق خطواتها ضحكتها وبساطتها مع الجيران والمعارف….
في الأعوام الأخيرة أنهك المرض جسدها النحيل، وشاء الله أن يسترد وديعته مع مطلع هذا العام، مخلفة 5 رجال علمتهم -بالحلال – احترام النفس والناس، فنالوا احترام الجميع… رحمك الله يا جارتنا أم إمام…..