ومهتمة بالشأن التعليمى في ظل التحديات المتراكمة التي تواجه منظومة التعليم، ومع تصاعد القلق المجتمعي حول مستقبل المدرسة والمعلم والطالب، بات من الضروري الانتقال من مرحلة تشخيص الأزمة إعلاميًا إلى مرحلة المعالجة الجادة المبنية على الواقع. إن إصلاح التعليم لا يمكن أن يتحقق بقرارات معزولة أو تغييرات شكلية، بل يحتاج إلى رؤية شاملة تنطلق من فهم عميق للمشكلات اليومية داخل المؤسسات التعليمية ومن احترام حقيقي لدور المعلم، واستقرار السياسات، ومشاركة واعية من الأسرة والمجتمع. وانطلاقًا من المسؤولية الوطنية، ومن واقع المعايشة الميدانية للشأن التعليمي، أضع بين أيديكم هذه المذكرة، متضمنةً مجموعة من الملاحظات والتوصيات الإصلاحية، إيمانًا بأن تحديد مواضع الخلل هو الخطوة الأولى نحو الإصلاح الحقيقي. أولًا: الأسرة ودورها في دعم العملية التعليمية لا إصلاح للتعليم دون وعي حقيقي من وليّ الأمر بدور المعلم كشريك في التربية. انتشار ظاهرة التهديد بمحاضر الشرطة ضد المعلمين والمديرين يمثل خطرًا على هيبة المؤسسة التعليمية. التوصية: إعداد برامج توعوية وتثقيفية لأولياء الأمور حول حقوق وواجبات أطراف العملية التعليمية. ثانيًا: بناء الطالب أخلاقيًا قبل تعليميًا غياب التربية على احترام المعلم والقيم المدرسية يفرغ التعليم من مضمونه. التوصية: إدماج منظومة أخلاقية وسلوكية واضحة ضمن التقييم التربوي للطلاب. ثالثًا: تخفيف الأعباء غير التعليمية عن المعلم إرهاق المعلم بتكليفات إدارية ينعكس سلبًا على جودة التعليم. التوصية: إعادة تنظيم مهام المعلم بما يضمن تركيزه على التدريس والتربية فقط. رابعًا: أخلاقيات الطلاب وجودة السلوك المدرسي جودة التعليم لا تنفصل عن جودة السلوك. التوصية: تفعيل لوائح الانضباط المدرسي بشكل تربوي عادل. خامسًا: استقرار القيادات التعليمية عدم استقرار القيادات، خاصة مديري المدارس، بسبب التدوير أو الإلغاء المفاجئ للتكليف، يعيق أي إصلاح. التوصية: تعديل بنود قانون الكادر بما يضمن الاستقرار الوظيفي للقيادات، مع تطبيق مبدأ المحاسبة العادلة. سادسًا: الابتعاد عن الإصلاح الشكلي والإعلامي التركيز على “اللقطة” الإعلامية بدل الحلول الواقعية يضر بمصداقية الإصلاح. التوصية: ربط أي تقييم للأداء بنتائج فعلية داخل المدارس. سابعًا: الكفاءة والنزاهة في اختيار القيادات تهميش الكفاءات وصعود غير المؤهلين ينسف أي محاولة إصلاح. التوصية: اعتماد معايير شفافة وواضحة في شغل الوظائف القيادية، وربط الترقي بالكفاءة لا الولاء. ثامنًا: الاستعانة بالخبرات من داخل المنظومة التعليمية الاعتماد على مستشارين من خارج التعليم يخلق فجوة بين القرار والواقع. التوصية: إشراك المعلمين والقيادات التربوية ذات الخبرة الميدانية في صناعة القرار. تاسعًا: استمرارية السياسات التعليمية تغيير نظم التعليم بتغير الوزراء يهدر الجهد والموارد. التوصية: اعتماد خطط تعليمية طويلة المدى تُستكمل بغض النظر عن تغير القيادات، مع السماح بالتطوير لا الإلغاء. التأكيد على استكمال المشروعات التعليمية الناجحة التي بدأت في مراحل سابقة. عاشرًا: أوضاع المعلمين المعيشية والمهنية تدني الأجور، وعدم تثبيت معلمي الحصة، يضعف الاستقرار الوظيفي. التناقض بين ضعف المرتب ومنع الدروس الخصوصية يخلق أزمة أخلاقية ومجتمعية. التوصيات: تثبيت معلمي الحصة بعد حصر العجز الفعلي. تحسين الأجور بما يتناسب مع غلاء المعيشة. توفير حماية قانونية للمعلم داخل المؤسسة التعليمية. الحوكمة والجودة قصر تطبيق الجودة على مرحلة رياض الأطفال فقط يمثل خللًا واضحًا. التوصية: تعميم معايير الجودة على جميع مراحل التعليم. حماية الأصوات الإصلاحية قمع النقد البنّاء يقتل فرص التطوير. التوصية: فتح قنوات رسمية للاستماع إلى الباحثين والمعلمين والمصلحين، والاستفادة من خبراتهم بدل إقصائهم. الخاتمة إن إصلاح التعليم لن يتحقق إلا باستعادة هيبة المعلم، واحترام المدرسة، وتكامل أدوار الدولة والمجتمع والأسرة. فالاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان، والموارد البشرية هي المعيار الحقيقي لتقدم الأمم. راجيةً أن تحظى هذه المذكرة بالاهتمام والدراسة، وأن تكون خطوة في طريق إصلاحٍ طال انتظاره. وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير، مقدِّمة المذكرة نجوى نصر الدين باحثة تربوية ومهتمة بالشأن التعليمي