كتبت نجوى نصر الدين السينابس هو تلك المسافة الدقيقة التي تمرّ عبرها الفكرة قبل أن تصبح ذكرى، والذكرى قبل أن تتحوّل معرفة، والمعرفة قبل أن تصير حكمة. هناك، في هذا الحيّز الصغير بين عصبون وآخر، تُصاغ هويتنا العقلية كما يُصاغ المعدن حين يذوب تحت النار ثم يُعاد تشكيله. كل إشارة تمرّ عبر المشبك تترك أثراً خفيفاً، كخطّ رفيع على صفحة رطبة. فإذا تكررت الإشارة اشتدّ أثرها، وتحوّل الخطّ إلى نقش، ثم إلى طريق دائم العبور. هكذا تتكوّن الذاكرة: ليست صندوقاً نخزن فيه ما نريد، بل هي شبكة من الطرق التي تعبّدها التجارب وتعيد التجاربُ نفسها صقلها. وكلما ازدادت الطرق وتعمّقت، اتّسعت خريطة النفس وصار العبور بين الأفكار أسرع وأوضح. أما التفكير، فهو حركة هذه الطرق. هو الشرارة التي تشعلها المشابك حين يتصل الماضي بالحاضر، وحين تلتقي معلومة قديمة بسؤال جديد. في تلك اللحظة يشتغل الدماغ كمدينة تُضاء طرقاتها معاً، فتتلألأ الروابط، وتتشكّل الاستنتاجات، ويولد ما نسمّيه فهماً. لهذا كان العقل الثري هو عقل متعدد المشابك: كلّما زادت المسارات، ازدادت القدرة على الربط، وتفتّحت إمكانات التأويل.
وتطوير هذه البنية ليس حكراً على عمر أو مرحلة. فالمشبك كائن حيّ، ينمو ويقوى ويتغيّر. يتغذّى بالتعلّم، ويتصلّب بالتكرار، ويزدهر بالنوم الهادئ الذي يعيد ترتيب فوضى النهار، ويلمع بالحركة التي تنعش الدم وتوقظ الخلايا. تتساقط عنه الشوائب حين نقرأ ونفكّر ونسأل، ويخفت حين نستسلم للركود، لأن الدماغ، مثل العضلة، يضمر إذا تركناه بلا تمرين. وهكذا يصبح الإنسان صنيعة ما يبنيه داخله: ذاكرته ليست مجرد ما يتذكر، بل ما يبقى من أثر في مشابكه؛ وتفكيره ليس ما يقوله، بل الطريقة التي تنفذ بها الإشارات داخل شبكته؛ ونضجه هو مقدار ما استطاع أن يحوّل التجربة إلى معرفة والمعرفة إلى بصيرة. كل ذلك يبدأ من نقطة صغيرة بين خليتين، نقطة تكاد لا تُرى، لكنها تحمل سرّ الذاكرة، وعمق التفكير، وبذرة الحكمة. وتتّسع هذه الشبكة كلما انفتح العقل على أنواع مختلفة من المعارف. فالمطالعة ليست جمع صفحات، بل فتح مسارب جديدة داخل الدماغ، مسارب تعبر منها أفكار لم تكن لتلتقي لولا القراءة. وتعلّم اللغات مثال بالغ الوضوح على ذلك؛ فاللغة ليست مفردات وقواعد فقط، بل طريقة جديدة في رؤية العالم، وفي تنظيم المعنى، وفي بناء الجمل التي تتحرك عبر شبكات عصبية مغايرة لما اعتدناه. وكلما تعلّم الإنسان لغة جديدة أو خاض مجالاً معرفياً مختلفاً، ازداد عدد المعابر داخل دماغه، واتسعت دائرة الربط بين الأفكار، واتقوت المشابك التي تمنحه قدرة أعلى على الفهم والتحليل. أما الاكتفاء بميدان واحد، فهو أشبه بالسير في طريق واحدة مهما كانت ممهدة؛ لا يتيح للدماغ إلا نمطاً واحداً من العبور، بينما ثراء المعارف يخلق طرقاً متشابكة تجعل التفكير أعمق، والخيال أوسع، والبصيرة أبعد مدى. تحياتي نجوى نصر الدين