نظافة المسؤولية من بيان الوعي ( تحليل في فلسفة الوعي الأخلاقي والسياسي)
يتناول المقال العلاقة الجدلية بين الوعي والمسؤولية بوصفها علاقة تأسيسية في الفعل الإنساني والاجتماعي. ينطلق التحليل من فرضية مفادها أنّ المسؤولية لا تستقيم إلا بقدر ما تستند إلى وعيٍ نقيّ بالذات والآخر والعالم، وأنّ “نظافة المسؤولية” ـ بمعنى صفائها من المصلحة أو التزييف ـ هي انعكاس مباشر لنقاء الوعي الذي يصدر عنها. يستند المقال إلى مقاربة فلسفية تحليلية تستلهم الفكر الأخلاقي ، والتحليل الظاهراتي للوعي، مع إشارة إلى تجليات المفهوم في الحقل السياسي العربي المعاصر.
تُعدّ المسؤولية إحدى الركائز المركزية في بناء الذات الإنسانية والمجتمع المدني على السواء. غير أنّ ممارسة المسؤولية، سواء كانت أخلاقية أو سياسية أو مهنية، لا يمكن أن تكون فعلًا حقيقيًا ما لم تصدر عن وعيٍ متبصّر. فالوعي هو البيان الذي يُظهر حقيقة الفعل وحدوده، أما المسؤولية فهي التجسيد العملي لهذا البيان في الواقع. ومن هنا تأتي عبارة “نظافة المسؤولية من بيان الوعي” لتشير إلى أن نقاء الممارسة لا يتحقق إلا حين يكون الوعي منبعها ومرجعها.
فالوعي بوصفه أصل المسؤولية يُعتبر عند الفلاسفة ـ من ديكارت إلى هوسرل ـ لحظة الوجود الواعي بالذات، والقدرة على مساءلتها. فالإنسان لا يكون مسؤولًا إلا بقدر ما هو قادر على إدراك معنى أفعاله، وتمييز آثارها. ووفقًا لإيمانويل كانط، فإنّ الفعل الأخلاقي لا يستمد قيمته من نتائجه، بل من النية الواعية التي تحكمه؛ أي من احترام الواجب الأخلاقي بوصفه أمرًا صادرًا عن العقل العملي. وعليه، فإنّ الوعي هو الشرط الأول للمسؤولية، وبدونه تتحول المسؤولية إلى طاعة شكلية أو وظيفة ميكانيكية خالية من البعد القيمي.
كما أن نظافة المسؤولية بوصفها تطهيرًا من المصلحة مفهوم يتجاوز الأداء إلى الموقف؛ إذ تعني أن يتحرّر الفعل المسؤول من شوائب الأنانية، والمحاباة، والانتهازية. فحين يكون الوعي ملوّثًا بالمصلحة، تفقد المسؤولية معناها الأخلاقي وتتحول إلى ممارسة سلطوية أو نفعية. وقد أشار الفيلسوف هانا أرندت إلى أنّ تراجع المسؤولية الأخلاقية في المجتمعات الحديثة ينتج عن غياب التفكير التأملي، أي غياب الوعي الذي يجعل الفاعل يُدرك ذاته بوصفها جزءًا من العالم ومسؤولة عن مصيره. إنّ نظافة المسؤولية هي في جوهرها طهارة الوعي من التبرير؛ أن يكون الفاعل قادرًا على الاعتراف بخطئه دون الالتفاف عليه، وعلى ممارسة السلطة دون الوقوع في غوايتها.
بيان الوعي كشرط للنزاهة السياسية يتجلّى في العلاقة بين الوعي والمسؤولية بأوضح صورها. فالسياسي النزيه ليس من يخلو من الأخطاء، بل من يملك بيانًا وعيًا واضحًا يوجّه قراراته، ويجعله مسؤولًا أمام نفسه قبل أن يكون أمام مؤسساته أو ناخبيه. لكن الخطاب السياسي في العالم العربي يعاني غالبًا من فصلٍ بين المسؤولية والوعي: تُمارس المسؤولية كوظيفة بيروقراطية، بينما يُغيّب الوعي كشرط للصدق والمساءلة. ومن هنا، فإنّ “نظافة المسؤولية” في المجال العام تقتضي إعادة تأسيس الوعي السياسي على قيم الحقيقة، والوضوح، والمشاركة، أي تجاوز منطق المصلحة إلى منطق الفهم المشترك.
من منظور البعد الظاهراتي للمسؤولية ، لا يعتبر الوعي انعكاسًا سلبيًا للعالم، بل هو انخراطٌ فيه. أي أنّ المسؤولية ليست فعلًا خارجيًا ناتجًا عن إكراه، بل هي حضور الوعي داخل الفعل ذاته. نظافة المسؤولية هنا تعني أن يظلّ الوعي حاضرًا في كل لحظة من الممارسة، مقاومًا لكل أشكال التشييء أو الاستلاب. فحين يفقد الوعي قدرته على النقد، تنحرف المسؤولية إلى مجرد أداءٍ شكليّ، ويُختزل الإنسان في وظيفةٍ أو دورٍ إداري.
حيث لا يمكن بناء وعيٍ مسؤول من دون تربية نقدية تشجّع على التفكير الحرّ والمساءلة الأخلاقية. يُصبح التعليم والإعلام والثقافة أدواتٍ لتطهير الوعي من التبعية، أي من تلك الآليات التي تُنتج “اللامسؤولية الجماعية”. ففي مجتمعاتٍ يغيب فيها البيان الحرّ، يصبح من الطبيعي أن تتلوّث المسؤولية بالفساد أو اللامبالاة، لأنّ الوعي نفسه قد تمّ تشويهه. إنّ تأسيس ثقافة المسؤولية يبدأ من تعليم الوعي لا الطاعة، ومن غرس فكرة أن الوعي هو أصل كل التزام، وأنّ المسؤولية ليست مجرّد واجبٍ مفروض، بل فعل حرّ نابع من إدراكٍ للذات في علاقتها بالآخرين.
إنّ “نظافة المسؤولية من بيان الوعي” ليست مجرد استعارة أخلاقية، بل رؤية فلسفية تُعيد الاعتبار للوعي كمصدرٍ للصدق والالتزام. فحيثما يُختزل الوعي، تتلوّث المسؤولية، وحيثما يُستعاد الوعي، تستعيد المسؤولية معناها الإنساني. المجتمع النزيه هو الذي يُربّي أبناءه على أن الوعي هو البيان الأول للمسؤولية، وأنّ كل فعلٍ لا يصدر عن معرفةٍ بالذات والآخر، يظلّ ناقصًا مهما بلغ من الكفاءة أو النجاح.