كتبت نجوى نصر الدين تُعدّ العدالة الإدارية أحد أعمدة استقرار الدول وتماسك مؤسساتها، غير أن الواقع يكشف عن مشهدٍ مقلق تتسلل فيه الممارسات غير المنصفة إلى قلب الأجهزة الإدارية، وخاصة في المؤسسات التعليمية. إن أخطر ما يهدد كيان الدول ليس الفقر أو نقص الموارد، بل الفساد الناعم الذي يبدأ حين يُنظر إلى المنصب لا كمسؤولية، بل كغنيمة شخصية.
في بعض المؤسسات، تحوّل المنصب إلى وسيلة نفوذ لا إلى أداة خدمة، وغابت معايير الكفاءة والجدارة ليحلّ محلها منطق الولاء الشخصي والانتماء الضيق. وتحوّل التعليم – الذي يُفترض أن يكون قاطرة التنمية – إلى ما يشبه “المزرعة الخاصة” التي تُدار وفق المصالح، لا وفق القيم والمعايير العلمية. وهكذا، يتم إقصاء الكفاءات المخلصة، وتُهمّش العقول القادرة على الإصلاح لصالح من يجيدون البقاء في دائرة النفوذ.
هذا النمط من الإدارة لا يكتفي بإضعاف الأداء، بل يزرع الإحباط ويُفقد المؤسسة روحها. فحين يشعر العامل أو المعلم أن جهده لا يُقدّر، وأن قرارات التعيين والترقية لا تُبنى على الجدارة، يفقد العمل معناه، ويتحول الإبداع إلى عبءٍ غير مرغوب فيه. إنها مرارة الظلم حين تُلبس ثوب الشرعية وتُقدَّم على أنها “قرارات تنظيمية” أو “سياسات مؤسسية”، بينما حقيقتها أنها إقصاء متعمد للعقول النزيهة.
وتصف الباحثة نجوي نصر الدين هذه الظواهر بأنها من “علامات الساعة الإدارية” التي تسبق انهيار المنظومات. إذ تختلط فيها المعايير، فيُكافأ الضعف باسم الولاء، ويُعاقب التفوق باسم التمرّد، وتُختزل الإدارة في مناورات شخصية لا علاقة لها بالصالح العام.
إن إصلاح هذا الواقع لا يكون بالشعارات، بل بإعادة الاعتبار لمبدأ العدالة والكفاءة، وبإحياء الضمير المؤسسي الذي يضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار. فالمناصب ليست غنائم، والمؤسسات ليست مزارع خاصة، والتعليم ليس ساحة لتصفية الحسابات، بل هو ميدان لبناء العقول التي ستصنع مستقبل الأمة تحياتي نجوى نصر الدين