كتبت نجوى مصر الدين اللامرئي في مهنة التعليم: التعب الإدراكي لدى المعلم بين وجوه مهنة التعليم الخفية، يبرز التعب الإدراكي كأحد أعمق أشكال الإرهاق، وأقلها وضوحًا. إنه التعب الذي لا يظهر في الملامح، لكنه يسكن الذاكرة، الانتباه، واتخاذ القرار. المعلم لا يستهلك طاقته في الجهد الجسدي فقط، بل في إدارة شبكة معقدة من العمليات الذهنية والعاطفية: الإنصات، الملاحظة، التخطيط، وضبط المواقف في لحظة واحدة. ومع استمرار هذه العمليات دون فترات تعافٍ كافية، يبدأ العقل بالتعب قبل الجسد، فتفقد المهنة توازنها الداخلي. ويؤدى التعب الإدراكي إلى انخفاض تدريجي في كفاءة الوظائف التنفيذية (fonctions exécutives) المسؤولة عن الانتباه، اتخاذ القرار، والمرونة الذهنية. وفي سياق الصف، يتولد هذا التعب نتيجة تراكم مهام معرفية دقيقة ومتداخلة. فالمعلم ينتقل بسرعة بين الشرح، التقويم، الإنصات، والتهدئة، ما يؤدي إلى تحمل معرفي مفرط يستهلك موارد الوعي والذاكرة العاملة. تبدو هذه العمليات اعتيادية، لكنها تستهلك طاقة عقلية هائلة غير مرئية. وهنا يكمن الخطر: تعب بلا ألم واضح، لكنه يظهر في تباطؤ التفكير، وتآكل الحضور الذهني. يعيش المدرس في بيئة مليئة بالمثيرات والانقطاعات الدقيقة: سؤال مفاجئ، ضوضاء، خلل تقني، أو تصرف غير منضبط لطالب. كل حدث صغير يفرض إعادة ضبط الانتباه، ما يضاعف العبء الذهني. وتأتي التعددية الانتباهية لتزيد الضغط؛ فالمعلم مطالب بمراقبة عشرات المتعلمين، تعديل شرحه، واستحضار معارفه السابقة في اللحظة نفسها. هذا الجهد المستمر لا يترك للعقل فرصة للتعافي، فيتحول اليوم الدراسي إلى ماراثون إدراكي خفي. يترجم التعب الإدراكي إلى مؤشرات دقيقة لكنها دالة: تباطؤ في الاستجابة، تكرار التعليمات، نسيان التفاصيل، أو فقدان التسلسل المنطقي أثناء الشرح. ومع مرور الوقت، تتراجع جودة التقويم، وتغيب الدقة اللغوية والحجاجية. وقد يتخذ التعب شكلاً عاطفيًا: نفاد صبر، انفعال سريع، أو رغبة في العزلة. كل هذه الأعراض تبدو جزئية، لكنها تعكس اختناق النظام الذهني للمعلم تحت وطأة الحمل المعرفي المزمن. كثيرًا ما يُخلط بين التعب الإدراكي والاحتراق المهني الأول مؤقت وقابل للاسترجاع بالراحة الذهنية والتنظيم الزمني، أما الثاني فهو حالة مزمنة تشمل الانهاك النفسي وفقدان المعنى. والخطر يكمن في التحول التدريجي؛ حين لا يُعترف بالتعب الإدراكي ولا تتاح فرص التعافي، يصبح مقدمة حتمية للاحتراق الشامل. التعب الإدراكي هو الوجه الهادئ للأزمة الصامتة في مهنة التعليم. إنه تعب بلا صوت، لأن مصدره داخل الوعي، لا في الجسد. وحين يُهمل، يتسلل إلى اللغة، العلاقة البيداغوجية، وصورة الذات المهنية. لذلك، يبدأ إصلاح المدرسة بالاعتراف بأن الانتباه طاقة قابلة للنضوب، وأن رعاية المعلم معرفيًا هي استثمار في ديمومة التعلم ذاته. فحين نحمي عقل من يعلم، نحافظ على المعنى الذي تقوم عليه كل تربية تحياتي نجوى نصر الدين