تجمع بين مفاهيم اجتماعية وسياسية تشير إلى آليات السيطرة الحديثة التي تستند إلى أنماط تقليدية من الهيمنة، ولكن ضمن أطر جديدة قد تبدو في ظاهرها “حديثة” أو “تقدمية”، بينما تعيد إنتاج نفس البنى القمعية. هكذا و رغم التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدها العالم العربي خلال العقود الأخيرة، لا تزال بُنى الاستبداد راسخة، بل تُعيد إنتاج نفسها بأشكال جديدة وأكثر تعقيدًا. من أبرز هذه البُنى ما يمكن تسميته بـ”الأبوية المستحدثة”؛ وهي نسخة حديثة من النظام الأبوي التقليدي، لكنها مموهة بوسائل معاصرة، وتلعب دورًا حاسمًا في إعادة إنتاج الاستبداد وترسيخه في النسيج الاجتماعي والسياسي العربي رغم تماسكه. لذا سأحاول تحليل العلاقة البنيوية بين الأبوية المستحدثة ومنظومة الاستبداد، متتبعًا كيف تنتقل أنماط السيطرة من المجال الخاص إلى المجال العام. :أولًا: في تعريف الأبوية المستحدثة تشير الأبوية، في معناها التقليدي، إلى نمط اجتماعي يُخضع المرأة للرجل، والصغير للكبير، ويمنح الأب أو “الرب الذكوري” السلطة المطلقة داخل الأسرة والمجتمع. إلا أن النسخة المستحدثة من هذه الأبوية لم تعد محصورة في الأسرة فقط، بل انتشرت في مؤسسات الدولة والتعليم والدين والإعلام. لهذا تمثل الأبوية المستحدثة تَطوُّرًا للنظام الأبوي التقليدي، لكنها لم تفقد جوهرها السلطوي. لأنها تستخدم أدوات حداثية: القانون، التكنولوجيا، اللغة العصرية، وحتى شعارات الديمقراطية والحرية، لكنها توظفها لإعادة إنتاج نفس العلاقات العمودية القائمة على الطاعة والخضوع. :ثانيًا: الأسرة كنموذج أولي للاستبداد تلعب الأسرة دورًا محوريًا في تشكيل شخصية الفرد العربي، وغالبًا ما تكون البيئة الأولى التي يُلقَّن فيها دروس الطاعة، القمع، والتراتبية. الطفل الذي يُمنع من السؤال، ويُكافأ على الطاعة العمياء، ويُعاقب على الاختلاف، يتعلم منذ صغره أن السلطة لا تُناقَش، وأن الحاكم – الأب، المعلم، الشيخ، الرئيس – لا يُساءل ولا يُنتقَد. هذه القيم تنتقل لاحقًا إلى الحقل السياسي، حيث يصبح من السهل تبرير حكم الفرد، وتقديس الزعيم، وقمع المعارض. :ثالثًا: الدين والتعليم والإعلام كأدوات لإعادة إنتاج الأبوية تلعب المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية دورًا كبيرًا في إعادة إنتاج الأبوية، ومن ثم الاستبداد: في التعليم: يُعتمد على التلقين بدل التفكير النقدي، وتُشجَّع ثقافة الحفظ والطاعة لا الجدل والحوار. في الخطاب الديني: يُعاد إنتاج مفاهيم الطاعة والولاية والفتنة بطريقة تخدم الأنظمة السلطوية. في الإعلام: يُضخّم من رمزية القائد، ويشيطن المعارض، ويُصوَّر النظام القائم باعتباره “الأب الحامي” للمجتمع. بهذه الطريقة، تتحول الأبوية إلى نظام ثقافي شمولي، يتجاوز الأسرة ليُصبح جزءًا من بنية الدولة والمجتمع. :رابعًا: الحداثة الشكلية والاستبداد المتجدد ما يُميز الأبوية المستحدثة أنها ليست رجعية تمامًا، بل ترتدي أحيانًا قناع الحداثة. فقد تتبنى الدولة مؤسسات ديمقراطية اسمًا، وتروج لخطاب حقوق الإنسان ظاهريًا، لكنها في العمق تُعيد إنتاج نفس القيم الأبوية القمعية. المواطنة هنا تُختزل في الطاعة، والدولة تتحول إلى أبٍ كبير، يعاقب من يتمرد، ويُكافئ من يخضع. :خامسًا: نحو تفكيك العلاقة بين الأبوية والاستبداد التحرر من الاستبداد لا يمر فقط عبر تغيير النظام السياسي، بل يستوجب تفكيك البُنى العميقة التي تبرره وتعيد إنتاجه. أي: إعادة النظر في التربية الأسرية. إصلاح النظام التعليمي. تجديد الخطاب الديني. تحرير الإعلام من الوصاية. بكلمات أخرى، لا يمكن تحقيق الديمقراطية دون ثورة ثقافية تُزعزع الأبوية المستحدثة وتستبدلها بثقافة المواطنة والمساواة والحرية. إذ تُظهر قراءة العلاقة بين الأبوية المستحدثة وإعادة إنتاج الاستبداد، أن جذور القمع ليست فقط في مراكز الحكم، بل في كل بيت ومدرسة ومسجد وشاشة. الاستبداد يعيش بيننا، يتنفس من خلال أنماطنا اليومية، ويُزرَع في عقولنا منذ الطفولة. لذلك، فإن معركة الحرية ليست فقط مع السلطة، بل مع البُنى التي تُفرزها وتبرر وجودها. لا تغيير حقيقي دون نقد جذري للنظام الأبوي في شكله التقليدي والمستحدث على السواء.