تكلفة انعدام الثقة بقلم: نجوى نصر الدين كثيرًا ما ننظر إلى السرقة والغش والفساد على أنها أفعال فردية تضر بضحية مباشرة أو مؤسسة بعينها، لكن الحقيقة أن آثارها تتجاوز ذلك بكثير . فالثمن الذي يدفعه المجتمع بسبب انعدام النزاهة أكبر بكثير مما يبدو للعين. فلو كانت الأمانة هي القاعدة بين الناس، لما احتجنا إلى آلاف الأطنان من الحديد لتأمين الأبواب والنوافذ والأسوار، ولأمكن توجيه هذه الموارد إلى المصانع والمشروعات التنموية التي تخلق فرص العمل وتدفع عجلة الاقتصاد. ولو سادت الثقة بين أفراد المجتمع، لما أُنفقت المليارات على أنظمة المراقبة والحراسة والإنذار، ولأمكن استثمار جانب كبير من تلك الأموال في المستشفيات والمراكز البحثية والمؤسسات التعليمية التي ترتقي بحياة الإنسان. ولو انخفضت معدلات الجريمة والاعتداء على الممتلكات، لما اضطر عدد كبير من الناس إلى العمل في مجالات الحراسة والحماية بسبب الحاجة الأمنية المتزايدة، ولتمكن كثير منهم من توظيف قدراتهم في مجالات الإنتاج والابتكار والخدمات التي تضيف قيمة حقيقية للمجتمع. إن انعدام الثقة يفرض على المجتمعات ما يمكن تسميته “ضريبة خفية”، لا تُدفع للدولة ولا تُسجل في الموازنات العامة، لكنها تُستنزف يوميًا في صورة احتياطات وإجراءات وقيود هدفها حماية الناس من بعضهم بعضًا. ولا يختلف الأمر كثيرًا في المجال التربوي. فالغش في الامتحانات، على سبيل المثال، لا يقتصر ضرره على مخالفة أخلاقية أو تربوية، بل يفرض أعباء مالية وتنظيمية ضخمة. فالأموال التي تُنفق على وسائل المراقبة والتأمين والتشويش والإجراءات الاستثنائية كان يمكن أن تُوجَّه إلى تحسين البيئة التعليمية، وتطوير المختبرات، ودعم المكتبات، وتأهيل المعلمين، وتوفير فرص تعلم أفضل للطلاب. والأخطر من الخسارة المادية أن الغش والفساد يضربان أساس الثقة الذي تقوم عليه المجتمعات الناجحة. فعندما يفقد الناس ثقتهم في العدالة والكفاءة والاستحقاق، تتراجع روح المبادرة، ويضعف الانتماء، ويشعر المجتهد أن جهده لا يحظى بالتقدير الذي يستحقه. إن المجتمعات المتقدمة لم تبنِ قوتها بالموارد الطبيعية وحدها، وإنما بنتها أيضًا على رصيد ضخم من الثقة المتبادلة والنزاهة واحترام القانون. فكلما ارتفع مستوى الأمانة، انخفضت تكلفة الحماية والرقابة، وازدادت الموارد المتاحة للتنمية والإبداع. لذلك فإن النزاهة ليست مجرد قيمة أخلاقية نتغنى بها، بل هي استثمار اقتصادي وحضاري من الدرجة الأولى. فكل فعل صادق يضيف لبنة في بناء الثقة، وكل ممارسة فاسدة تسحب حجرًا من أساس المجتمع. إن الفساد، مهما بدا صغيرًا، لا يسرق المال فقط، بل يسرق الفرص، ويؤخر التنمية، ويستهلك المستقبل قبل أن يولد. تحياتي نجوى نصر الدين