بقلم: نجوى نصر الدين
من الغريب أن يسعى الإنسان طوال حياته إلى السعادة، ثم نجد من يخافها ويتجنبها وكأنها خطر يهدده. قد يبدو الأمر متناقضًا، لكنه حقيقة نفسية معروفة تُسمى “الشيروفوبيا” أو رهاب السعادة، وهي حالة تجعل صاحبها ينظر إلى الفرح بعين القلق بدلاً من الطمأنينة.
فبعض الأشخاص لا يخشون الحزن بقدر ما يخشون الفرح؛ لأن تجاربهم السابقة أو معتقداتهم الراسخة أقنعتهم بأن كل لحظة سعادة لا بد أن يعقبها ألم، وكل فرحة لا بد أن تتبعها خسارة. فيتحول الفرح في نظرهم إلى إنذار مبكر لمصيبة قادمة، لا إلى نعمة تستحق الاحتفاء.
لهذا قد يرفضون المشاركة في المناسبات السعيدة، أو يتجنبون الاحتفالات واللقاءات الاجتماعية، أو حتى يبتعدون عن الفرص الإيجابية التي قد تغيّر حياتهم نحو الأفضل. ليس لأنهم لا يرغبون في السعادة، بل لأنهم يخشون ثمنها المتوهم.
إن هذه الحالة تكشف لنا كيف يمكن للأفكار أن تصنع سجونًا غير مرئية حول الإنسان. فالمشكلة ليست في الفرح نفسه، بل في التفسير الخاطئ الذي يربطه بالعقاب أو الخسارة أو الخيبة المقبلة. وهنا يصبح العقل أسيرًا لتوقعات سلبية تمنعه من الاستمتاع بالحاضر وتذوق نعم الحياة.
والحقيقة أن الحياة لا تسير وفق هذه المعادلة القاسية. فليس كل فرح يعقبه حزن، كما أن الحزن نفسه لا يدوم إلى الأبد. الدنيا مزيج من المشاعر والتجارب، وما يجعل الإنسان متزنًا ليس الهروب من السعادة، بل القدرة على استقبالها بامتنان دون خوف، ومواجهة الصعوبات عند حدوثها بثقة وصبر.
وقد أثبتت الأساليب العلاجية الحديثة، وخاصة العلاج المعرفي السلوكي، أن كثيرًا من هذه المخاوف يمكن تجاوزها عندما يتعلم الإنسان مراجعة أفكاره واختبار معتقداته واستبدال التوقعات السلبية برؤية أكثر واقعية وطمأنينة.
إن الفرح ليس فخًا، وليس نذير شؤم، بل هو استراحة يمنحها الله للروح وسط مشقة الحياة. ومن الظلم لأنفسنا أن نرفض النور خوفًا من حلول الظلام، أو أن نهجر البسمة خشية الدموع.
فلنمنح أنفسنا الحق في أن نفرح، وأن نعيش اللحظة الجميلة كما هي، دون أن نفسدها بمخاوف لم تأتِ بعد. فالسعادة ليست وعدًا بدوام النعيم، لكنها نعمة تستحق أن تُعاش وتُقدَّر حين تحضر.
تحياتي
نجوى نصر الدين

































