بقلم نجوي نصر الدين.
طفولة بلا ضغوط: نحو نظام تربوي يبني الإنسان أولاً
تمثل السنوات الثلاث الأولى من حياة الطفل حجر الأساس في تكوين شخصيته، إلا أن الهوس المجتمعي والمؤسسي بالتقييم المبكر والأرقام غالباً ما يحول هذه المرحلة الحساسة إلى سباق أكاديمي مرهق. إن تخفيف العبء عن أطفال هذه المرحلة، وإلغاء الامتحانات والتقييمات التقليدية، ليس ترفاً تربوياً، بل هو ضرورة حتمية لضمان نمو سليم ومتوازن.
1. بناء الأساس القيمي والسلوكي
في هذه السن المبكرة، لا يحتاج الطفل إلى حفظ المعلومات واسترجاعها في أوراق امتحانية، بل يحتاج إلى “الخبرات الحياتية”. يجب أن تكرس هذه المرحلة لـ:
غرس القيم والأخلاق: مثل الصدق، التعاون، احترام الآخر، والتعاطف.
الذكاء الاجتماعي والعاطفي: تعليم الطفل كيفية التعبير عن مشاعره، والتفاعل الإيجابي مع محيطه والمجتمع.
الاستكشاف واللعب: توفير بيئة آمنة يتعلم فيها الطفل من خلال اللعب الحر الذي يبني شخصيته وفضوله المعرفي.
2. متى يبدأ التقييم الحقيقي؟
التعليم عملية تراكمية. عندما نركز في السنوات الأولى على بناء شخصية سوية، وطفل يمتلك ثقة بنفسه، وقيم واضحة، فإننا بذلك نضع “الأساس المتين”. بعد أن يمتلك الطفل هذا الأساس الآمن، يصبح من السهل والمجدي البدء في تقييم مهاراته الأكاديمية في السنوات اللاحقة، حيث يكون عقله وجهازه العصبي قد نضجا بما يكفي لاستيعاب المناهج الدراسية بشكل سلس.
3. التجربة اليابانية: إلهام في بناء الإنسان
الحديث عن هذا النهج ليس مجرد نظرية، بل هو واقع مطبق بنجاح في دول متقدمة مثل اليابان.
تُعد التجربة اليابانية نموذجاً عالمياً ملهماً في هذا السياق؛ حيث تمتنع المدارس عن إعطاء أي اختبارات أو درجات للأطفال في السنوات الثلاث الأولى من المدرسة (مرحلة رياض الأطفال والسنوات الأولى الابتدائية).
وبدلاً من قياس التحصيل الأكاديمي، تركز المدارس اليابانية على:
تعليم الأطفال احترام قواعد المجتمع.
بناء روح العمل الجماعي والتعاون.
تنمية الاستقلالية والاعتماد على الذات (مثل مشاركة الأطفال في تنظيف الفصول وتقديم وجبات الطعام).
خلاصة القول
إن تحرير أطفالنا من شبح التقييمات في سنواتهم الأولى هو استثمار في صحتهم النفسية وقدراتهم المستقبلية. عندما نزرع القيم أولاً، نحصد جيلاً قادراً على الابتكار، والتواصل، وبناء المجتمع بشكل أفضل. دعونا نترك الأطفال يستمتعون بطفولتهم، ليتعلموا كيف يعيشون ويتعاملون، قبل أن يتعلموا كيف يمتحنون.
تحياتي
نجوى نصر الدين





































