بقلم نجوي نصر الدين. حين كان الكتاب يُورَّث… واليوم يُستبدل كل عام
في زمنٍ مضى، لم يكن الكتاب مجرد أوراقٍ مطبوعة تُنهى مع انتهاء السنة الدراسية، بل كان جزءًا من حياة الأسرة، وذاكرةً تمتد بين الإخوة والجيران. كانت الأم تقول لابنها: “احتفظ بالكتاب، فسيستفيد منه أخوك العام القادم”، وكان هذا الكلام بسيطًا لكنه يحمل فلسفة كاملة في احترام العلم والموارد.
لم يكن تمزيق الكراسة أو إتلاف الكتاب أمرًا عاديًا، لأن الكتاب كان يُعامل كقيمة، لا كسلعة. يتنقل بين الأيدي، ويحمل آثار من قرأه قبلك، وكأنه شاهد حيّ على رحلة تعليم طويلة تتشاركها الأجيال داخل البيت الواحد. كان العلم يُبنى بالتراكم، والكتاب يُستخدم حتى آخر صفحة فيه، ثم يُحتفظ به كمرجع أو يُمرر لغيره.
أما اليوم، فقد تغيّر المشهد كثيرًا. أصبحت المناهج الدراسية تتبدل بوتيرة سريعة، وتُعاد طباعتها كل عام تقريبًا، أحيانًا بتعديلات جوهرية، وأحيانًا بتغييرات شكلية في التصميم والترتيب. ومع هذا التغيير المستمر، فقد الكتاب جزءًا من عمره الطبيعي، وأصبح استخدامه محدودًا بسنة واحدة فقط، ثم يُستغنى عنه وكأنه فقد قيمته بالكامل يرى البعض أن هذا التطوير ضرورة تفرضها التغيرات العلمية والمعرفية، وأن تحديث المناهج يساعد على مواكبة العصر. لكن في المقابل، هناك من يرى أن الإفراط في التغيير، خاصة عندما يكون غير جوهري، يحوّل التعليم إلى عبء مادي، ويضعف ثقافة الحفاظ على الكتاب، ويخلق حالة من الاستهلاك السريع للمعرفة بدل التراكم الحقيقي لها.
الأمر لا يتعلق بالمناهج فقط، بل بفلسفة كاملة حول معنى التعليم:
هل هو بناء معرفة طويلة الأمد، أم منتج يُستهلك ويُستبدل كل عام؟
لقد كان الكتاب يومًا ما رمزًا للاستمرارية، أما اليوم فقد أصبح في كثير من الأحيان مادة مؤقتة، تنتهي قيمتها بانتهاء الموسم الدراسي. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحًا: كيف نوازن بين تطوير التعليم، والحفاظ على قيمته الإنسانية والاقتصادية والثقافية؟