بقلم / نجوي نصر الدين
حين يتكلم الرويبضة!!
قراءة في زمن اختلاط الأصوات
في كل عصر يمرّ على المجتمعات لحظات ارتباك فكري، تختلط فيها الأصوات، وتضيع الحدود بين صاحب الخبرة وصاحب الصراخ. وفي مثل هذه اللحظات يظهر مصطلح قديم عميق الدلالة ورد في الحديث النبوي الشريف: الرويبضة.
وقد جاء في الحديث:
“سيأتي على الناس سنوات خدّاعات… يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخوَّن فيها الأمين، ويتكلم فيها الرويبضة.”
قيل: وما الرويبضة؟ قال: “الرجل التافه يتكلم في أمر العامة.”
ليس المقصود بالرويبضة مجرد شخص بسيط أو محدود المعرفة؛ فالبساطة ليست عيبًا، بل العيب أن يتحول الجهل إلى سلطة، والضجيج إلى رأي عام.
زمن المنابر المفتوحة
في عصر الإعلام المتسارع ووسائل التواصل، لم يعد الوصول إلى الجمهور يحتاج إلى علم عميق أو تجربة طويلة. يكفي أحيانًا ميكروفون ومنصة وبعض الجرأة ليصبح الإنسان متحدثًا في أخطر قضايا المجتمع: الدين، التاريخ، السياسة، والهوية.
وهنا تبدأ المشكلة.
فحين يتصدر النقاش العام من لم يقرأ التاريخ قراءة جادة، أو من لم يدرس القضايا التي يتحدث عنها، يتحول المجال العام إلى ساحة من الآراء المرتجلة التي قد تبدو جريئة لكنها في الحقيقة تفتقر إلى العمق.
الفرق بين الجرأة والمعرفة
الجرأة ليست عيبًا، بل قد تكون ضرورية لكسر الجمود.
لكن الجرأة بلا معرفة تتحول بسهولة إلى استعراض فكري.
المفكر الحقيقي يعرف أن الكلمة مسؤولية، وأن الأفكار ليست ألعابًا لغوية تُلقى في الهواء، بل أدوات تؤثر في وعي الناس وتشكّل تصوراتهم عن العالم.
أما الرويبضة، فيتعامل مع الكلمة كأنها أداة لإثارة الانتباه فقط؛ فكلما كان الرأي أكثر صدمةً، كان أكثر انتشارًا.
بعض الخطابات الإعلامية المعاصرة تقوم على قاعدة بسيطة:
إثارة الجدل تعني زيادة المشاهدة، وزيادة المشاهدة تعني مزيدًا من النفوذ الإعلامي.
وهكذا تتحول القضايا الكبرى إلى عناوين مثيرة بدل أن تكون موضوعات للبحث والتفكير.
لكن المجتمعات التي تبني وعيها على الضجيج الإعلامي تجد نفسها بعد سنوات أمام مشكلة أكبر:
كثرة الكلام… وقلة الفهم.
الخطر الحقيقي في زمن الرويبضة ليس في وجودهم؛ فكل عصر عرف مثل هذه الظواهر.
الخطر الحقيقي هو أن يصبح صوتهم أعلى من صوت المعرفة.
فالمجتمعات لا تنهار حين يخطئ بعض الأفراد، بل حين تفقد قدرتها على التمييز بين الكلمة العميقة والكلمة الصاخبة.
وفي النهاية يبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه كل مجتمع على نفسه:
هل نريد منابر يصعد إليها أصحاب العلم…
أم مسارح يتكلم فيها الرويبضة؟
تحياتي
نجوى نصر الدين



































