بقلم: نجوى نصر الدين
في لحظات التوتر الإقليمي ترتفع نبرة الخطاب، وتكثر التهديدات التي تتجاوز أحيانًا حدود الواقع إلى فضاء المبالغة السياسية. غير أن بعض المواقع الجغرافية في العالم لا تحتاج إلى تضخيمٍ خطابي كي تُدرك أهميتها؛ فهي في ذاتها معادلات قوة. ومن بين هذه المواقع يقف اسم قناة السويس بوصفه أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في النظام الاقتصادي العالمي.
فالقناة ليست مجرد مجرى مائي يربط البحرين، بل هي عقدة استراتيجية تتحرك عبرها نسبة معتبرة من تجارة العالم والطاقة القادمة من الشرق إلى الغرب. ولهذا فإن أي حديث عن تهديدها أو تعطيلها لا يُقرأ باعتباره شأنًا مصريًا فحسب، بل باعتباره قضية تمسّ بنية الاقتصاد الدولي نفسه.
في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، عادت مسألة أمن الممرات البحرية إلى الواجهة. وقد أصبحت هذه الممرات — من مضيق هرمز إلى باب المندب — جزءًا من لعبة التوازنات الدولية. وفي هذا السياق يبرز اسم إيران بوصفها طرفًا فاعلًا في معادلات الجغرافيا السياسية للمنطقة، بحكم موقعها وتأثيرها في مسارات الطاقة.
لكن الحديث عن الممرات البحرية يقودنا دائمًا إلى حقيقة أساسية: إن مصر تمتلك موقعًا فريدًا يجعلها في قلب هذه المعادلة، لا على هامشها. فالدولة التي تتحكم في قناة السويس لا تملك مجرد ممر ملاحي، بل تمتلك مفصلًا حيويًا من مفاصل الاقتصاد العالمي.
غير أن الحكمة السياسية لا تقاس بامتلاك أوراق القوة فحسب، بل بكيفية استخدامها. وقد عُرفت مصر عبر تاريخها الحديث بسياسة تميل إلى التوازن وتجنب الانخراط في صراعات مباشرة ما لم تُفرض عليها. هذه المقاربة جعلت القاهرة غالبًا طرفًا يميل إلى الوساطة والتهدئة أكثر من التصعيد.
وهنا تكمن المفارقة العميقة في الجغرافيا السياسية: فالدول التي تمتلك مفاتيح الطرق العالمية ليست مضطرة إلى رفع صوتها كثيرًا. فالجغرافيا تتحدث أحيانًا بصمتٍ أكثر بلاغة من الخطابات.
إن حماية الممرات البحرية ليست مسألة عسكرية فقط، بل هي أيضًا مسألة استقرار دولي. فالعالم الذي يعتمد على سلاسل الإمداد العابرة للقارات يدرك جيدًا أن أي اضطراب في نقاط الاختناق البحرية قد ينعكس فورًا على الأسواق والطاقة والاقتصاد العالمي.
ولهذا فإن قناة السويس لا تمثل مجرد مورد اقتصادي لمصر، بل تمثل كذلك عنصرًا من عناصر الاستقرار في النظام التجاري الدولي. ومن هنا تصبح مسؤولية حمايتها مسؤولية سيادية مصرية، لكنها في الوقت ذاته مسؤولية ترتبط بمصلحة عالمية أوسع.
إن الشرق الأوسط اليوم يقف على مفترق طرق معقد؛ صراعات سياسية، وتنافس جيوسياسي، وتداخل بين القوى الإقليمية والدولية. وفي مثل هذا المناخ يصبح الحفاظ على توازنات الملاحة الدولية ضرورة تتجاوز حدود الدول.
وربما لهذا السبب ظلّ الدرس الأهم في الجغرافيا السياسية بسيطًا وعميقًا في آنٍ واحد:
إن الطرق التي تمرّ عبرها تجارة العالم ليست مجرد خطوط على الخريطة… بل هي شرايين للحياة الاقتصادية للكوكب كله.
وعندما نتأمل خريطة العالم سنكتشف أن بعض الدول لا تحتاج إلى أن تُثبت قوتها بالضجيج؛ يكفي أن ننظر إلى موقعها على الخريطة لندرك أن التاريخ نفسه قد منحها دورًا لا يمكن تجاهله
تحياتي
نجوى نصر الدين



































